|
في تمام الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد 25 تشرين الأول 2026، احتفل غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، بالقداس الإلهي، وخلاله منح غبطتُه المناولةَ الأولى لثمانية أطفال من أبناء الكنيسة في ماردين، وهي المرّة الأولى في هذه الرعية منذ سبعين عاماً، وذلك على مذبح كاتدرائية القديسة مريم العذراء "مَريَمانا" التاريخية في ماردين – تركيا.
عاون غبطتَه في القداس الخوراسقف أورهان شانلي النائب البطريركي في تركيا، والخوراسقف حبيب مراد، وقد أشرف على تدريب الأطفال وتنظيم الإحتفال المونسنيور بولس قسّ داود كاهن الرعية، ومعلّمات التعليم المسيحي.
شارك في القداس صاحب النيافة مار فيلكسينوس صليبا أوزمان مطران أبرشية ماردين وديار بكر وتوابعها للسريان الأرثوذكس ورئيس دير الزعفران، والخوري كبريال أقيوز، والأب عيسى أقيوز، بحضور ومشاركة جموع غفيرة من المؤمنين من ماردين ومن القادمين من اسطنبول.
بدايةً، دخل غبطته إلى الكاتدرائية بزيّاح حبري مهيب، يتقدّمه الآباء الخوارنة والكهنة والشمامسة، والأطفال الثمانية المتقدّمون لنيل المناولة الأولى. ثمّ احتفل غبطته بالقداس الإلهي على مذبح هذه الكاتدرائية التاريخية.
وفي موعظته بعد الإنجيل المقدس بعنوان "ربي أنا ورقة بيضاء، أُرسُم عليها ما تشاء"، استهلّ غبطة أبينا البطريرك كلامه شاكراً "نيافة أخينا المطران مار فيلكسينوس صليبا الجزيل الاحترام،نشكركم من كلّ قلبنا لمشاركتكم معنا في هذه الذبيحة الإلهية، ولمرافقتنا في مختلف فعاليات زيارتنا الراعوية"، معرباً عن "شكرنا الكبير لعزيزنا الروحي الخوراسقف أورهان شانلي والمونسنيور بول قسّ داود على أتعابهما مع جميع معاونيهما في الإعداد للزيارة ولهذه المناسبة التاريخية. فقد جئنا إليكم بكلّ فرح، ومعنا حضرة الخوراسقف حبيب مراد أمين سرّ البطريركية. وإنّنا نبتهج كثيراً برؤية أطفالنا الثمانية الأعزّاء الذين يستقبلون يسوع للمرّة الأولى في القداسالإلهي. أنتم، أيّها الأطفال الأعزّاء، كأنّكم ورقة بيضاء تماماً، ويسوع لديه رسومات يرسمها لكلّ واحد وواحدة منكم".
ولفت غبطته إلى أنّ "الرب يسوع يريد أن يخلّصنا، ويموت ويقوم كي يذهب إلى أبيه السماوي، وكان تلاميذه الرسل الإثنا عشر حزانى جداً لرؤية يسوع يغادرهم. لذا نجده يقول لهم: لا تكونوا حزانى، فسأكون دائماً معكم. وقد بارك الخبزَ والخمرَ، وقدّمهما كطعام وشراب، فأعطاهم ذاته في هذا الخبز وهذا الخمر: هذا هو سرّ الإفخارستيا. نشكر الله لأنّه أعطانا ذاته تحت شكلَي الخبز والخمر المبارَكَين، لذا علينا أن نشكر الرب كلّ حين".
وتوجّه غبطته إلى الأطفال المتناولين الجدد وأهلهم قائلاً: "تذكَّروا، يا أطفالي الأعزّاء، أنّ يوم مناولتكم الأولى هو يوم تاريخي في حياتكم. يسوع يأتي إليكم لكي يسكن في قلوبكم ويمنحكم دائماً الفرح أن تكونوا تلاميذه. والآن، أيّها الآباء والأمّهات الأعزّاء: نحن مدعوون لنشكر إلهنا الصالح على عطيّة هؤلاء الأطفال الصالحين الذين يمنحكم إيّاهم، يجب أن نعتبر الأطفال كنزاً علينا أن نشكر الرب عليه، فنشكر إلهنا الطيِّب من أجل أطفالنا، إنّهم كنز وُهِبَ لنا من قِبَل الرب، ويجب أن نبذل قصارى جهدنا لمرافقتهم في حياتهم".
ونوّه غبطته بأنّنا "نغتنم هذه المناسبة لنؤكِّد أنّنا جميعاً نفتخر ونعتزّ بأنّنا، نحن السريان، كنيسة واحدة. لقد قمنا بزيارات، سواء إلى ماردين ودير الزعفران ودير مار كبريال وعدد من البلدات التاريخية، كي نشكر الله على كلّ عطاياه. ونحن نعتبر أنّ أديرتنا وكنائسنا السريانية هي الكنوز المحفوظة لكنيستنا السريانية، والتي هي كنيسة واحدة ورسولية. كما نغتنم هذه المناسبة لنستذكر صداقتنا وأخوّتنا مع قداسة أخينا مار اغناطيوس أفرام الثاني، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للكنيسة السريانية الأرثوذكسية الشقيقة. وقداسته ممثَّلٌ بيننا اليوم خير تمثيل بشخص نيافة أخينا المطران مار فيلكسينوس صليبا، والذي نعتزّ به، ونسأل الله أن يبارك خدمته، ويحفظه بالصحّة والعافية".
وختم غبطته موعظته بالقول: "نتابع هذا القداس الذي هو ليتورجية إلهية، والرب يسوع هو الذي أسَّسها. نشكركم جميعاً، ملتمسين بركة الرب، بشفاعة أمّنا السماوية، المَريَمانا، كي تحميكم وترافقكم في حياتكم، سواء هنا في ماردين أو في كلّ مكان في العالم، شرقاً وغرباً. ونودّ بالطبع أن نحيِّي شاكرين فخامة رئيس الجمهورية التركية رجب طيِّب أردوغان على مرافقته ودعمه ومساعدته لجميع المواطنين الأتراك، ولا سيّما للمسيحيين، وعلى جهوده في سبيل تعزيز الوحدة الوطنية والعيش المشترَك، والتقدُّم والإزدهار اللذين تحقّقا في تركيا في عهده. فليبارككم الرب جميعاً، الآب والإبن والروح القدس، الإله الواحد".
وكان المونسنيور بول قسّ داود قد ألقى كلمة، في بداية القداس، رحّب خلالها "بغبطة أبينا البطريرك الذي يترأّس هذه المناسبة بمحبّته الأبوية، داعياً له بالصحّة والعمر المديد ليتابع رعايته الصالحة للكنيسة"، مرحّباً أيضاً بحضور ومشاركة "صاحب النيافة والآباء الخوارنة والكهنة والشمامسة وجموع المؤمنين من ماردين ومن اسطنبول"، مشيراً إلى أنّ "اليوم هو يوم تاريخي في كنيستنا السريانية الكاثوليكية، إذ أنّ غبطته لا يزور ماردين، بل يأتي إلى بيته وبطريركيته. لذا، اليوم فرحتنا كبيرة جداً، فنجتمع اليوم في هذه الكاتدرائية التاريخية التي خدمها بطاركة وأساقفة وكهنة وشعب مؤمن ومستعدّ للشهادة للإيمان على الدوام. واليوم، أنا، ولأول مرّة ككاهن جديد تعيّنونه، يا صاحب الغبطة، في ماردين، أشكر غبطتكم على هذا التعيين، وأشكر أيضاً الخوراسقف أورهان والمجالس الملّية الذين يساندونني في الخدمة في هذا المكان التاريخي المقدس. ونعدكم بأنّه، كلّ مرّة تأتون إلى ماردين، ستجدونها حيّة بحجرها وبشرها، وتنمو، إن شاء الله، بنعمة ربنا وبحسب إرادته".
وتابع: "فرحتنا الثانية هي مشاركة إخوتنا في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، فهذه علامة على إخوّتنا وعلى تقارُبنا وعلاقتنا المميزَّة ببعضنا البعض. وأُعلِنُها بصوت عالٍ جداً: إنّنا، نحن أبناء الكنيستين السريانيتين، أكثر كنيستين تجمعهما علاقات وطيدة طيلة السنوات الماضية، ونشكر الرب على هذه النعمة الكبيرة. وفرحتنا الثالثة أنّنا نبتهج مع أولادنا في مناولتهم الأولى، فبعد أكثر من 70 سنة، عادت هذه الكاتدرائية لتفرح بأولادنا الذين اقتبلوا سرّ المناولة. صحيح إنّ عددنا قليل، لكنّ المهمّ أن نتذكّر قول الرب يسوع لنا. نحن، مثل الخميرة في العجين، قليلون لكنّ مفعولنا كبير جداً. وهذا الأمر لن يحصل إلا إذا كنّا أمناء لكنيستنا وإيماننا، حتّى نكون شهوداً للرب في هذه المدينة وهذا البلد".
وأردف: "أودّ أن أشكر كلّ الذين يتعبون ويخدمون كي تبقى الكنيسة حيّة. أشكر المسؤولين المدنيين الذين ساعدونا حتّى نداوم في هذه الكنيسة، وعملوا معنا لإنجاح زيارة غبطته، ورافقونا. أشكر أيضاً الأهالي الذين عاونونا كي نقود أولادنا إلى هذا اليوم، ولا سيّما في سرَّي الإعتراف والمناولة. وأشكر معلّمات التعليم المسيحي: إنجي، ولورا، وتينا، على تعبهنَّ في تهيئة الأطفال المتناولين. وأشكر لجنة ماردين ولجنة اسطنبول على فتح الطريق كي نقيم اليوم هذا الإحتفال. وأشكر النساء من اسطنبول اللواتي هيّأنَ هذا الحج، كي نحضر ونعيش هذا الإحتفال كجماعة واحدة في هذه المدينة التاريخية العريقة".
وختم كلمته: "نشكر الرب، ونشكركم، يا صاحب الغبطة، على حضوركم وبركتكم وترؤُّسكم هذه المناسبة. ونصلّي من أجل راحة نفوس كلّ البطاركة والأساقفة الذين خدموا هذه الكاتدرائية، ونخصّ بالذكر البطريرك اغناطيوس أنطوان الأول سمحيري، الذي له الفضل في بنائها".
وفي وقت المناولة، قام غبطته بمناولة كلٍّ من الأطفال الثمانية سرّ القربان المقدس، جسد الرب يسوع ودمه الأقدسَين، في جوّ روحي خاشع.
وقبل نهاية القداس، قدّم غبطته هدايا تذكارية إلى كلٍّ من الأطفال المتناولين الجدد، ومعلّمي التعليم المسيحي، وسط فرح الحاضرين.
وبعدما منح غبطته البركة الختامية، خرج من الكاتدرائية، يتقدّمه صاحب النيافة والآباء والأطفال المتناولون، فيما علا الهتاف والتصفيق من الحاضرين، والزغاريد من النسوة، ابتهاجاً بهذه المناسبة التاريخية المبارَكة.
ثمّ قطع غبطته مع نيافته والآباء والمتناولين الجدد قالب الحلوى الذي أعدَّتْه رعية ماردين بهذه المناسبة.
بعدئذٍ استقبل غبطته جموع المؤمنين في صالون الكاتدرائية، فنال الجميع بركته الرسولية، في جوّ من الفرح بلقاء الأبناء مع أبيهم الروحي.
حقّاً إنّها مناسبة تاريخية رائعة أثلجت القلوب وارتاح إليها المؤمنون، ولا سيّما أبناء الكنيسة الذين لا يزالون متجذّرين وراسخين في أرض ماردين وضواحيها، أرض الآباء والأجداد. فشكراً لله على عطيّته التي لا يُعبَّر عنها!.
|