|
في تمام الساعة الرابعة والنصف من بعد ظهر يوم الخميس 22 تشرين الأول 2026، وصل غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، إلى كنيسة قلب يسوع الأقدس، حيث مقرّ النيابة البطريركية في اسطنبول – تركيا.
أمام المدخل الخارجي، استُقبِلَ غبطتُه من المؤمنين الذين حضروا للقائه ونيل بركته، فتوجّه إلى الكنيسة على أنغام ترتيلة استقبال رؤساء الأحبار، واحتفل بالقداس، يعاونه الخوراسقف أورهان شانلي النائب البطريركي في تركيا، والخوراسقف حبيب مراد، والمونسنيور بول قسّ داود، والأب جيمي سركك، بمشاركة الشمامسة، ولجنة سيّدات الرعية، والمؤمنين.
وفي موعظته بعد الإنجيل المقدس، تحدّث غبطة أبينا البطريرك عن أنّ "زيارتنا إليكم دليل على أنّنا نحبّكم، ونحن نريد أن تبقوا دائماً هذه الكنيسة المبارَكة والمزدهرة، بالوحدة والمحبّة والسلام. نشكر الخوراسقف أورهان على كلماته الترحيبية التي كانت مملوءة ومشبَّعة بالإيمان بالرب يسوع، وبالمحبّة لكنيستنا، وبالصلاة حتّى تكون هذه الكنيسة بالحقيقة كنيسة الرب يسوع، تعيش بالمحبّة الحقيقية بين كلّ أفرادها، بين كلّ أبنائها وبناتها، لا سيّما بشخص البطريرك والمطارنة".
وشكر غبطته المؤمنين الحاضرين: "نشكركم، ونشكر أبونا بول الذي أتى كي يساعد الخوارسقف أورهان ليخدماكم كما يرضي الرب. وغداً سنكون معاً في ماردين، نحتفل بالقدّاس، قدّاس المناولة الأولى بعد سنوات طويلة لثمانية أولاد، هذه المدينة العزيزة على قلب كلّ واحد منّا. ونشكر أبونا جيمي الذي يساعد الخوراسقف أورهان أيضاً في خدمتكم. نحيّيكم حميعاً، أكنتم من الإكليروس، أو من لجنة السيّدات، أو من المؤمنين، ونحّيي بشكل خاصّ الذين اهتمّوا وتعبوا من أجل خدمة هذه الكنيسة، وهكذا تعطون المثال لكلّ المسيحيين، ولكلّ الناس الذين تعيشون بينهم، أنّ الرب يسوع حاضر بيننا".
ونوّه غبطته بأنّ "موضوع الإختلافات التي حصلت في كنيستنا لم تعد مخفيّة. البطريرك، حسب قانون الكنيسة، هو أب ورأس الكنيسة. في الكنائس الشرقية يدركون قيمة البطريرك كأب ورأس يمثّل الكنيسة والملّة كلّها، ليس فقط مسيحياً، لكن أيضاً أمام الحكومات، وأمام الملّة التي هي في الشرق، وللبطريرك الحقّ أن يرأس الكنيسة بالأبوّة والمحبّة المطلوبين منه. نأمل أن تنتهي الإختلافات، وتُحَلّ بالمحبّة، نسأل الرب أن يجمعنا جميعاً بالمحبّة".
ولفت غبطته إلى أنّنا "نودّ أن نذكِّركم بإنجيل اليوم، فيسوع ينهي كلامه أنّنا بالإيمان نستطيع أن نصنع أشياء كثيرة، وبأنّ كلّ ما نطلبه بالإيمان يكون لنا. نحن نحتاج إلى أن نقوّي إيماننا بالرب يسوع، مهما جابهْنا في حياتنا من صعوبات واضطرابات واضطهادات، نحن أقوياء بإيماننا بالرب يسوع، على مثال آبائنا وأجدادنا الذين عاشوا هذا الإيمان، وسنذهب معاً غداً، إن شاء الرب، إلى ماردين، ونصلّي لهذه المدينة التي كانت حقيقةً مركز الكنيسة والبطريركية لسنوات طويلة.نطلب من الرب أن يقوّيكم، فتدعموا بعضكم بالمحبّة، وتدعموا الآباء الكهنة، حتّى تكون كنيستنا صورة عائلة الرب يسوع".
وأشار غبطته إلى أنّه "يرافقنا في هذه الزيارة الخوراسقف حبيب مراد، وهو أمين سرّ البطريركيّة. ونذكِّركم أنّ هذا الشهر، تشرين الأول، هو شهر الوردية، نصلّي المسبحة بإيمان وتسليم كلّيَّين، مع أولادنا، في البيت، في الكنيسة، وبشكل خاصّ نصلّيها في هذا الشهر على نيّة قداسة البابا لاون الرابع عشر، كي يمنحه الله نعمة الشفاء الكامل، بحنانه ورحمته، وبجاه قلبه الأقدس، وبشفاعة أمّنا مريم العذراء".
وكان الخوراسقف أورهان شانلي قد ألقى كلمة ترحيبية بغبطته باللغة الفرنسية، استهلّها بالقول: "بكوننا أعضاء الكنيسة السريانية الكاثوليكية في تركيا، نشعر بفرح عظيم وسعادة لا توصف بزيارتكم، يا أبانا صاحب الغبطة، إلى اسطنبول وماردين. وبصفتي النائب البطريركي في تركيا، وباسم أعضاء الإكليروس الأعزّاء وكامل رعيتنا، أحيِّي غبطتكم ببالغ المحبّة والعاطفة والإحترام. إنّه لمن دواعي سرورنا العظيم جميعاً أن نرحّب بكم بيننا. أهلاً وسهلاً بكم".
وتابع: "غداً في ماردين، ستكونون الشاهد على حدث تاريخي، فبعد ٧٠ عاماً، سنعيش معكم فرحة رؤية ثمانية من أطفالنا يتلقّون سرّ المناولة الأولى. وفي نهاية الأسبوع الماضي، في ماردين، ولأول مرّة منذ ٥٥ عاماً، مُنِحَ سرّ المعمودية لأحد أطفالنا على يد كاهن سرياني كاثوليكي من تركيا، ولا نزال نحتفظ في قلوبنا بفرح وسعادة ذكرى هذه الأيّام التاريخية".
وأردف: "نعلم جميعاً، صاحب الغبطة، أنّ كنيستنا السريانية الكاثوليكية تمرّ اليوم بمرحلة دقيقة وصعبة للغاية، وتترافق هذه المرحلة مع صعوبات وآلام تمسّ كنيستنا ومؤمنيها في العمق. ولا ريب أن ينعكس هذا أيضاً على شخص غبطتكم، وعلى المسؤوليات الجسيمة التي تحملونها. وأمام هذه الظروف، نودّ أن نؤكِّد أنّ أهمّ رباط يجمعنا هو المحبّة التي نكنّها لكنيستنا، وثباتنا في التمسُّك بوحدتها وكرامتها ورسالتها المقدسة. إنّ أمنيتنا الوحيدة هي أن يسود العدل والحقيقة والمحبّة، وأن يعلو خير كنيستنا ومصلحتها فوق كلّ اعتبار شخصي وكلّ منفعة خاصّة".
وأكمل: "وفي هذا الإطار، نرفع صلواتنا إلى الرب من أجلكم، يا أبانا صاحب الغبطة، ومن أجل جميع أساقفة كنيستنا. ونصلّي كي يمنحكم جميعاً الروح القدس الحكمة والتمييز والشجاعة للإصغاء إلى صوت الحقّ. نتوسّل إليه أن يهديكم لتعملوا معاً بروح المسؤولية والأخوَّة من أجل خير كنيستنا ووحدتها وسلامها. وفي وسط كلّ هذه الصعوبات، نضع رجاءنا في كلمات ربنا يسوع المسيح: "في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا: أنا قد غلبتُ العالم. ونحن نؤمن من كلّ قلوبنا بأنّ ربنا يسوع المسيح، رأس الكنيسة، سيحوِّل المِحَن التي نمرّ بها إلى فرصة للتجدُّد الروحي، من خلال التوبة والتواضع، وسيهدينا جميعاً إلى الحقيقة والمصالحة والسلام. فلنحفظ دائماً في قلوبنا هذه الآية المبارَكة، متّكلين على ربنا يسوع المسيح: طوبى لصانعي السلام، لأنّهم أبناء الله يُدعَون. وبهذا الإيمان والرجاء نواصل الصلاة من أجل كنيستنا، محيِّين غبطتكم بكلّ المحبّة والاحترام".
وختم كلمته قائلاً: "اليوم، وفي هذه اللحظة المهيبة التي نجتمع فيها تحت هذا السقف المقدس لهذه الكنيسة المبارَكة، والمكرَّسة لقلب يسوع الأقدس، نرفع صلواتنا إلى الرب من أجل جميع أحبّائنا، متّكلين بشكل خاصّ على شفاعة مريم العذراء القديسة، أمّ الخلاص. نسأل الرب أن يستجيب تضرُّعاتنا، وأن تكون بركاتكم وصلواتكم معنا جميعاً. مع خالص احترامي ومحبّتي وإجلالي. أهلاً وسهلاً بكم يا صاحب الغبطة".
وقبل نهاية القداس، بارك غبطته الصورة الجديدة لسيّدة النجاة، والتي أُخِذَت نسخة طبق الأصل عن أيقونة سيّدة النجاة الخاصّة والمحفوظة بدير سيّدة النجاة البطريركي – الشرفة بلبنان. وبعد زيّاح العذراء، منح غبطته البركة بهذه الصورة الجديدة.
وبعد البركة الختامية، انتقل الجميع إلى صالون النيابة البطريركية، حيث ألقى المونسنيور بول قسّ داود كلمة من القلب، رحّب فيها بغبطته، الأب والرأس والراعي للكنيسة السريانية الكاثوليكية، معبّراً عن اعتزاز أبناء الكنيسة وبناتها به، وعرفانهم بأفضاله الجمّة وبرعايته الصالحة، داعياً له، باسم جميع الحاضرين، بالصحّة والعافية والعمر الطويل، ليتابع مسيرة خدمته للكنيسة في هذه الظروف العصيبة، بما حباه الله من مواهب وعطايا.
وبعد جلسة عائلية تحلّق فيها الخوارنة والكهنة والمؤمنون حول أبيهم الروحي، غبطة البطريرك، في جوّ من الفرح الروحي، نال الجميع بركة غبطته الرسولية، عربون محبّته الأبوية، وتمنّوا له زيارة رسولية ناجحة وموفَّقة إلى أرض الآباء والأجداد في ماردين وطور عبدين.
|