النصّ الكامل للكلمة الأبوية التأبينية التي وجّهها غبطة أبينا البطريرك خلال رتبة جنّاز ودفن المثلَّث الرحمات المطران مار تيموثاوس حكمت بيلوني في كاتدرائية سيّدة الإنتقال، مراكاي – فنزويلا

    ننشر فيما يلي النصّ الكامل للكلمة الأبوية التأبينية التي وجّهها غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، خلال رتبة جنّاز ودفن المثلَّث الرحمات المطران مار تيموثاوس حكمت بيلوني، الأكسرخوس الرسولي في فنزويلا، وذلك في كاتدرائية سيّدة الإنتقال، مراكاي – فنزويلا، يوم السبت 1 آب 2026:

 

الكلمة الأبوية لصاحب الغبطة

مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان

بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي

 

في تأبين

المثلَّث الرحمات مار تيموثاوس حكمت بيلوني

الأكسرخوس الرسولي في فنزويلا

 

كاتدرائية سيّدة الإنتقال للسريان الكاثوليك، مراكاي – فنزويلا، السبت 1 آب 2026

 

"نعمّاً يا عبداً صالحاً وأميناً، كنتَ في القليل أميناً، أنا أقيمكَ على الكثير، أدخل إلى فرح سيّدك"(مت25: 21)

 

    صاحب السيادة المطران ألبيرتو أورتيغا الجزيل الإحترام، السفير البابوي في فنزويلا

    أصحاب السيادة المطارنة الأحبار الأجلاء

    الآباء الخوارنة والكهنة الأعزّاء

    الإخوة الرهبان والراهبات والشمامسة الأفاضل

    أبناءنا وبناتنا الروحيين المحبوبين بالرب في الأكسرخوسية السريانية الكاثوليكية في فنزويلا

    أيّها الحضور الكرام

 

    تجتمعون اليوم في كاتدرائية سيّدة الإنتقال في مراكاي بفنزويلا في جوّ مملوء بالحزن والأسف، ونحن، ولَئِن لم نتمكّن من الحضور شخصياً لنكون معكم بسبب الظروف والإلتزامات الراعوية، فإنّنا نشارككم الصلاة بالروح مع الرجاء بالرب يسوع القائم من بين الأموات، ونحن نودِّع معاً أخاً جليلاً، دعاه ربّه وخالقه إلى الحياة الأبدية، ونشيّعه إلى مثواه الأخير. إنه المثلَّث الرحمات المطران مار تيموثاوس حكمت بيلوني، الأكسرخوس الرسولي للسريان الكاثوليك في فنزويلا، الذي فقدناه بعد أن عانى الآلام والأوجاع في الفترة الأخيرة من حياته.

    في مَثَل الوزنات الذي سمعناه من الإنجيل المقدس بحسب القديس متّى، يشبِّه الرب الفادي نموَّ ملكوت السماوات بالوزنات، أي المواهب، التي يستودعها ربّ العمل خدّامه على تنوُّع قناعاتهم والتميُّز في استعدادهم لقبول تلك المواهب واستثمارها. من هذا المَثَل، نفهم كم على التلميذ أن يسعى ويجدّ ليتجاوب مع دعوة الرب بروح الأمانة والتضحية والتفاني، في كلّ لحظة من حياته، وفي كلّ عملٍ يقوم به، ليحقّق ربحاً وفيراً لبنيان ملكوت الله، ملكوت السلام والعدل والخير للخليقة جمعاء. عندئذٍ يستحقّ الثناء والمكافأة: "نعمّاً يا عبداً صالحاً وأميناً، كنتَ في القليل أميناً، أنا أقيمك على الكثير، أدخل إلى فرح سيّدك" (مت25: 21).

    لقد منح الله كلَّ واحدٍ من خدّامه مواهب ومسؤوليات، وأوكله إيّاها كي تثمر صلاحاً لخير الكنيسة والمجتمع. فنحن، وكلٌّ منّا في موقعه، مكرَّسين كنّا أو مؤمنين علمانيين، وكلاؤه تعالى على الخليقة، وهذه الوكالة تقتضي منّا الأمانة والإجتهاد. ليس فقط أن نكون خدّاماً للرب، بل وكلاء له، مؤتمَنين على خلاص النفوس.

    من بين هؤلاء الوكلاء، دعا الرب المثلَّث الرحمات مار تيموثاوس حكمت بيلوني الذي نودّعه اليوم ونصلّي من أجله: هو ابن أنطون بن الياس بيلوني، ومارين بنت سمعان سيوفي. وُلِدَ في حلب – سوريا عام 1945، وبعد أن أكمل دروسه الثانوية، قصد دير سيّدة النجاة – الشرفة في لبنان عام 1959 لتحصيل العلوم اللاهوتية، فتابع دراسته في جامعة الروح القدس – الكسليك. وعام 1972 سيم كاهناً في حلب بوضع يد المثلَّث الرحمات المطران مار ديونوسيوس فيليب بيلوني، حيث خدم في رعية مار أفرام بحيّ السريان، فضلاً عن خدمته في إرشاد الشبيبة والتعليم المسيحي، وعُيِّنَ عام 1981 أميناً لسرّ المطرانية ولصندوق الأبرشية. ثمّ انتقل إلى خدمة رعية كاتدرائية سيّدة البشارة في بيروت خلفاً لنا منذ عام 1986، قبل أن ينتقل إلى الخدمة في أكسرخوسية فنزويلا، حيث خدم هذا الشعب الطيّب، كاهناً ثمّ أسقفاً أكسرخوساً رسولياً، مقدِّساً نفوس المؤمنين، ومعلِّماً ومدبِّراً، وقد رسمناه أسقفاً في كاتدرائية سيّدة الإنتقال بحلب في 22 أيّار 2011، واتّخذ شعاره الأسقفي، قول بولس في رسالته الأولى إلى تلميذه تيموثاوس: "أشكر المسيح يسوع ربّنا، الذي قوّاني، لأنّه حسبني أميناً، فجعلني للخدمة" (1تيم1: 12). لقد أودعه الرب وزناتٍ عدّة استثمرها خيراً وبنياناً، وذلك بروح الفرح والبساطة التي امتاز بها. وخلال خدمته الأسقفية في هذه الأكسرخوسية المبارَكة، اتّكل على الرب يسوع في كلّ شيء، مستمدّاً منه القوّة والعون اللازمين لإدارة أكسرخوسيته بروحٍ أبويةٍ وغيرةٍ رسوليةٍ، معتنياً بالإكليروس والمؤمنين. وقد تابع خدمته هذه حتّى النفس الأخير من حياته، رغم أتعاب المرض الذي أنهكه في الأشهر والأسابيع الأخيرة، إلى أن أسلم ذاته بين يدَي الرب مساء يوم الخميس الماضي في 30 تمّوز 2026، وقد نقل إلينا هذا الخبر المحزن حضرة ابننا الروحي الأب جورج موصلّي.

    نسأل الله أن يمتِّعه بميراث الملكوت السماوي مع الرعاة الصالحين، عملاً بقول داود النبي في سفر المزامير: "ܟܳܗܢܰܝ̈ܟ ܢܶܠܒܫܽܘܢ ܙܰܕܺܝܩܽܘܬܳܐ ܘܙܰܕ̈ܺܝܩܰܝܟ ܫܽܘܒܚܳܐ"،وترجمتها: "كهنتكَ يلبسون البرارة وأتقياؤكَ ينالون المجد".

    أيّها الأحبّاء،

    عندما نصلّي الصلاة الربّانية، نقول "لتكن مشيئتك يا ربُّ كما في السماء كذلك على الأرض" (مت6: 10). نعم، نحن نسلِّم بمشيئة الله ونقبلها، وإن كان الألم يعصر قلبنا وقلوب المحبّين لغياب هذا الحبر الجليل، لكنّنا شعب إيمان ورجاء، لذلك عندما نفقد عزيزاً، نجدِّد فعلَ إيماننا وثقتنا بالمعلّم الإلهي القائل "أنا معكم كلّ الأيّام وحتّى انقضاء الدهر" (مت28: 20). ولأنّ مسيرتنا الأرضية، مهما طالت أو قصرت، عليها أن تتكلّل بنور القيامة، وتكون انعكاساً لمحبّة الله للبشر، فنحن قادرون بنعمته تعالى على تحمُّل فراق الأحبّاء مهما كان قاسياً علينا!

    وفيما نؤكّد لكم على محبّتنا الأبوية وصلاتنا الدائمة من أجلكم وتفكيرنا بكم وحرصنا على متابعة شؤونكم لِمَا فيه تأمين خدمتكم الروحية والراعوية وخلاص نفوسكم، نتابع هذه الرتبة المقدسة، موجِّهين أنظارنا نحو مذبح الرب، متذكِّرين أنّنا جميعاً أهل السماء، وأنّ حياتنا على هذه الفانية ما هي إلا مسيرة نحو الأبدية.

    ولنصلِّ بروح الإيمان والرجاء من أجل راحة فقيدنا الغالي، ومن أجل تعزية كنيستنا السريانية، أساقفةً وخوارنةً وكهنةً وشمامسةً ورهباناً وراهباتٍ ومؤمنين، وبخاصّة من أجل تعزية أقربائه: مار ربولا أنطوان بيلوني، ومار فولوس أنطوان ناصيف، والمونسنيور الياس عدس، ومن أجل ذويه الحاضرين والغائبين، آل بيلوني وأنسبائهم، والمنتشرين في بلاد الشرق والمهجر، ولا سيّما من أجل بلده الأمّ سوريا، ومن أجل بلدكم فنزويلا الذي خدمه بتفانٍ وأحبّه ورقد فيه.

    رحمه الله، وليكن ذكره مؤبّداً. المسيح قام، حقّاً قام.

 

    عن كرسينا البطريركي في بيروت، السبت 1 آب 2026

 

    اغناطيوس يوسف الثالث يونان

    بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي