غبطة أبينا البطريرك يحتفل بقداس عيد هامتَي الرسل مار بطرس ومار بولس ويبارك الهيئات الإدارية والتعليمية في مدرستي ليسيه المتحف ودير الشرفة بمناسبة انتهاء العام الدراسي 2025-2026: "لنا الحقّ أن نعلن أنّ الله هو المحبّة، وأنّ محبّته جعلَتْه ينزل إلينا ويخلّصنا بآلامه وموته وقيامته"

    في تمام الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم الإثنين 29 حزيران 2026، احتفل غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، بالقداس الإلهي، وخلاله بارك غبطته الهيئات الإدارية والتعليمية في مدرسة ليسيه المتحف، بدارو – بيروت، ومدرسة دير الشرفة، درعون - حريصا، بمناسبة انتهاء العام الدراسي 2025-2026، وذلك في كنيسة مار اغناطيوس الأنطاكي، في مقرّ الكرسي البطريركي، المتحف – بيروت.

    عاون غبطتَه الأب كريم كلش، وشارك في القداس الخوراسقف حبيب مراد، بحضور ومشاركة أعضاء الهيئات الإدارية والتعليمية في مدرسة ليسيه المتحف ومدرسة دير الشرفة للعام الدراسي الحالي.

    وفي موعظته بعد الإنجيل المقدس، بعنوان "وأنتم من تقولون إنّي أنا؟"، توجّه غبطة أبينا البطريرك إلى "الإداريين والإداريات والمعلّمين والمعلّمات في مدارسنا، في ختام هذه السنة الدراسية، فقد أتينا لنشكر الرب على كلّ النِّعَم، ونطلب منه أن يباركنا دائماً حتّى نقوم برسالتنا الغالية على قلوبنا جميعاً، لا سيّما الغالية على الوطن العزيز لبنان، بتنشئة الأجيال الصاعدة. ونحن نشكركم جميعاً على كلّ الجهود التي بذلتموها خلال هذا العام في سبيل تحقيق رسالتكم السامية، رغم الصعوبات الجمّة، ونسأل الرب أن يقوّيكم لتتابعوا هذه الرسالة بالروح عينه والزخم نفسه، بعد أن تستريحوا الإستراحة التي تستحقّونها خلال فصل الصيف".

    ولفت غبطته إلى أنّ "الرب يسوع يسأل تلاميذه: أنتم من تقولون إنّي أنا؟، أي من هو بالنسبة إليهم؟، ونعرف كيف أنّ بطرس، بإلهام من الآب السماوي، يعترف من هو يسوع: إنّه ابن الله المخلِّص. ونحن نعتبر هذا الجواب سهلاً، لكن في ذلك الوقت لا يمكن إلا أن تكون نعمة الله هي التي توحي إلى الإنسان، حتّى ولو كان رسولاً، من هو الرب يسوع. واليوم، في هذه المجتمعات حيث نعيش، نجد أغلبية مجتمعنا، حتّى في لبنان، لا تشاركنا الإيمان عينه، وحتّى في البلدان التي كانت تُعتبَر مسيحية أو مبنيّة على الإيمان المسيحي، فقد أضاع الكثيرون بوصلة الإيمان، ولا يعرفون من هو الرب يسوع".

    ونوّه غبطته بأنّنا "نعيِّد اليوم عيد هامتَي الرسل، مار بطرس ومار بولس، هذا العيد العظيم الذي تحتفل به الكنيسة بأسرها، إن كان في الشرق، وإن كان في الغرب. وبولس، بعد أن كان يُدعى شاول، وكان فرّيسياً صميماً، يضطهِد تلاميذ المسيح، دعَتْهُ الكنيسة منذ بداية البشارة الخلاصية رسولَ الأمم، والأمم هي البلدان الغريبة عن الإيمان اليهودي. وكما ذكر في رسالته إلى أهل أفسس، والتي تُلِيَت علينا اليوم، وفي كتاب سفر أعمال الرسل، يدافع بولس عن هؤلاء الوثنيين الذين يعتمدون، ولم يكن يريد أن يفرض عليهم الشريعة الموسوية، في حين أنّ تلاميذ المسيح كانوا عبرانيين، ويعتقدون أنّه على كلّ من يؤمن بيسوع أن يتبع الناموس، أي الشريعة اليهودية. وبولس كان يدافع عن هؤلاء المعمَّدين الجدد، فاستطاع أن يقنع بطرس ويعقوب، أسقف أورشليم الأول، بأنّه لا يجب أن نفرض على الوثنيين الذين يعتمدون الشريعة الموسوية، إذ يكفي أنّهم اعتمدوا باسم الرب يسوع".

    وأشار غبطته إلى أنّ "بولس، رسول الأمم، تحمَّل الكثير من الإضطهادات بأنواعها، حتّى أنّهم أرادوا أن يقتلوه، لقد تحمّل كلّ هذه الآلام والإضطهادات من أجل الرب يسوع. وهو يعلّمنا كيف نكرز ببشارة الرب يسوع، حين ذهب إلى الأكروبول في أثينا، وأكروبول يعني مجمع الهياكل الوثنية في أثينا، فعرف كيف يتكلّم معهم بلغتهم، إذ قال لهم: رأيتُ كلّ هذه الهياكل، فأنتم منفتحون على الديانات كلّها، ورأيتُ هيكلاً عليه هذه العبارة "الإله المجهول"، وها أنا أبشّركم بهذا الإله المجهول الذي خلق العالم، والذي أراد أن يخلّصنا بيسوع المتأنّس الذي أضحى إلهاً وإنساناً بالكمال. بولس يعلّمنا الصراحة والمصداقية في حمل رسالتنا، وأحياناً كثيرة نضطرّ فنحاول أن نستعمل عبارات كي نخفي إيماننا بالرب يسوع الإله المتأنّس، حتّى في الكنيسة، للأسف، بسبب دخولها معترَك الدبلوماسية والسياسة، تحاول أحياناً أن تغطّي على إيماننا المسيحي بما نسمّيه بالإيمان بالإله، القوّة الخارقة الخلاقة، والتي تؤمن بها ديانات مختلفة".

    وأكّد غبطته على أنّنا "نحن اليوم، أيّها الأحبّاء، إذا كنّا حقيقةً مسيحيين، علينا ألا نخجل من الكرازة بيسوع، وألا نخجل من ذكر اسم يسوع. لا يكفي فقط أن نضع الصلبان على صدورنا، لكن علينا أن نبشّر بيسوع الإله المخلّص، مع احترامنا لكلّ الديانات والمعتقدات. اليوم نحن والكنيسة عامّةً أمام معضلة كبيرة، كيف نستطيع أن نبشّر في هذا العالم الذي لديه مبادؤه وإيديولوجياته، كيف نبشّر بيسوع. وهنا الإمتحان الخاصّ لكلّ واحد منّا، فلا نخفي إيماننا، ولو أنّه يبدو للبعض وكأنّنا نكفِّر الآخرين، لكن لنا الحقّ أن نعلن أنّ الله هو المحبّة، وأنّ محبّته جعلَتْه ينزل إلينا ويخلّصنا بآلامه وموته وقيامته. وها نحن إزاء مِحَنٍ كثيرة، ليست فقط من خارج الكنيسة، لكن وللأسف من داخل الكنيسة أيضاً، لأنّ البعض يريدون أن يتأقلموا مع العالم، وأن يضحّوا وينكروا إيمانهم بالرب يسوع كي يُرضوا العالم".

    وختم غبطته موعظته بالقول: "​نسألكَ يا رب، يا من أتيتَ لأجل خلاصنا، أن تجعلنا حقيقةً تلاميذكَ الحقيقيين، الذين لا يخجلون من ذكر اسمك، ولا من إيمانهم بالخلاص الذي تمّمْتَه. فأنتَ الذي علَّمْتَنا أنّ الله هو المحبّة والسلام والأخوّة الحقيقية بين البشر. وهكذا نفتخر بكَ، وبصليبكَ، وبآلامكَ وموتكَ، ونفتخر بقيامتكَ، أساس خلاصنا، بشفاعة أمّنا مريم العذراء، حاميتنا وسيّدة لبنان، وبشفاعة مار بطرس ومار بولس، هامتَي الرسل، وجميع القديسين والشهداء".

    وقبل البركة الختامية، تكلّم الخوراسقف حبيب مراد، فقال: "بفرح كبير نلتقي معاً في ختام هذا العام الدراسي الذي كان، كما نعلم كلّنا، عاماً دراسياً صعباً جداً، بكلّ تحدّياته وظروفه الأمنية والسياسية والإقتصادية، ولكن، بالرغم من الصعوبات، استطعنا أن نكمل وأن نصل إلى هذه اللحظة. وهذا كلّه ببركة الرب، وبتوجيهات غبطة أبينا البطريرك الذي كان حريصاً دائماً ويسأل بشكل يومي عن المدرستين، وبخاصّة في الأسابيع الصعبة التي عانت فيها بيروت حين كانت الحرب قوية".

    وتابع: "وبفرح كبير أيضاً، نلتقي في هذا اليوم المبارَك، وهو عيد مار بطرس ومار بولس، هامتَي الرسل، ومار بطرس هو الذي أسّس كرسي أنطاكية، قبل أن يذهب بعدئذٍ إلى روما، وكرسي أنطاكية هو كرسي غبطة أبينا البطريرك، فهذا عيدٌ لسيدنا البطريرك، عيدٌ لأبي الكنيسة الذي نعايده بهذه المناسبة، وندعو للرب كي يديمه بالصحّة والعافية، ويبارك كلّ هذه النشاطات والأعمال والإنجازات التي قام بها منذ 18 سنة حتّى الآن، وقبلها في السنوات السابقة لحبريته البطريركية، خلال خدمته ككاهن وكأسقف. فلا أحد يستطيع إلا أن يشكر الرب على هذه العطيّة التي وهبها للكنيسة، بأبٍ وراعٍ صالح هو سيدنا البطريرك".

    وأردف: "لا يسعنا إلا أن نتوقّف بشكل خاص عند اللفتة التربوية التي نعرفها كلّنا، ولكن يجدر بنا دائماً أن نذكِّر بها، وهي العناية الخاصّة برسالة التربية والتعليم. فمنذ ستّة أعوام دراسية، يحرص غبطته على تأمين التعليم المجّاني، وحين نقول تعليماً مجّانياً، أي أنّ البطريركية تدفع من صندوق البطريركية، وذلك لكلّ أولاد الكنيسة السريان وغير السريان، السريان الكاثوليك والسريان الأرثوذكس مجّاناً، وغير السريان من الإخوة المسيحيين بأسعار مدروسة جداً، فهذه بادرة أبوية لم تحدث في تاريخ الكنيسة. نضرع إلى الرب كي يعضد غبطته ليستطيع إكمال هذه البادرة، فنتمكّن نحن بدورنا في المدرستين من متابعة تأدية واجباتنا تجاه الإداريين والمعلّمين، فضلاً عن الإحتياجات على أنواعها".

    وأكمل: "​نشكر الرب على هذه العطيّة، ونشكر سيدنا البطريرك، وأودّ أن أشكر أيضاً، باسم أبونا كريم كلش الذي هو رئيس مدرسة دير الشرفة، وباسمي الشخصي، أشكر كلّ واحد منكم، إداريين ومعلّمين ومعلّمات في المدرستين، مدرسة ليسيه المتحف ومدرسة دير الشرفة، على كلّ جهودكم وأتعابكم التي تثمر دائماً أن ننهي أعوامنا الدراسية بنجاح، بالرغم من كلّ التحدّيات والصعوبات. أشكركم وأصلّي من أجلكم كي يبارككم الرب، ويبارك عائلاتكم، ويؤهّلنا لنكمل هذه الرسالة بالتعاون معاً، سنة فسنة، لخير هذه الرسالة المبارَكة، رسالة التربية والتعليم، ولخير الكنيسة والوطن، ولنشر بشرى الرب، بشرى الإنجيل، إذ أنّ أهمّ أهداف رسالتنا يتجسّد في نشر كلمة الرب".

    وختم قائلاً: ​"بهذه المناسبة أيضاً، أراد غبطة أبينا البطريرك، ببادرة أبوية خاصّة منه، دليلاً على محبّته للمدرستين، أن يذكرهما بتكريم خاص. فاختار غبطته أقدم شخص من العاملين في كلٍّ من المدرستين، ليمنحه تكريماً أبوياً، بالميدالية البطريركية، ميدالية سيّدة النجاة البطريركية. ألف شكر لغبطته، وألف مبروك للمكرَّمَين وللمدرستين".

    ثمّ تلا الخوراسقف حبيب مراد نصّ كلٍّ من المرسومين البطريركيين اللذين أصدرهما غبطته، فمنح في الأول "ميدالية سيّدة النجاة البطريركية الذهبية" إلى الآنسة كلود مدوَّر، تقديراً لجهودها في حقل التربية والتعليم في مدرسة ليسيه المتحف، لمدّة أكثر من 57 سنة متواصلة. وفي المرسوم الثاني، منح غبطته السيّدة سميرة الشمالي نصّار "ميدالية سيّدة النجاة البطريركية الفضّية"، تقديراً لجهودها في حقل التربية والتعليم في مدرسة دير الشرفة، لمدّة 40 سنة متواصلة.

    وبعدما منح غبطته البركة الختامية، أُخِذَت صورة جماعية تخليداً لهذه المناسبة. ثمّ انتقل الجميع إلى القاعة الكبرى في البطريركية، حيث نالوا بركة غبطته، وأمضوا برعايته وقتاً أخوياً عابقاً بالمحبّة والفرح، وقدّموا التهاني إلى المكرَّمتَين، شاكرين الرب على نعمة اكتمال العام الدراسي الحالي، وداعين لغبطته بدوام الصحّة والعمر المديد لسنوات عديدة.