غبطة أبينا البطريرك يحتفل برتبة النهيرة (الوصول إلى الميناء) في كنيسة مار اغناطيوس، الكرسي البطريركي – بيروت

    في تمام الساعة السادسة من مساء يوم الأحد 29 آذار 2026، احتفل غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، رتبة النهيرة (الوصول إلى الميناء)، والتي تقام مساء يوم أحد الشعانين في مدخل أسبوع الآلام الخلاصية، وهي رتبة يتمّ فيها استذكار مثل العذارى الحكيمات والجاهلات، ويمتاز بها الطقس السرياني الأنطاكي، وذلك في كنيسة مار اغناطيوس الأنطاكي، في الكرسي البطريركي، المتحف – بيروت.

    عاون غبطتَه الخوراسقف حبيب مراد، والأب كريم كلش، والأب طارق خيّاط، وخدم الرتبة الشمامسة الإكليريكيون طلاب إكليريكية سيّدة النجاة البطريركية بدير الشرفة. وشاركت في الرتبة جموع من المؤمنين، ومن بينهم أعضاء إرسالية العائلة المقدسة للمهجَّرين العراقيين في لبنان.

    تخلّلت الرتبة الترانيم السريانية الشجيّة بلحن الآلام، وقراءة مثل العذارى العشر من الإنجيل المقدس بحسب القديس متّى.

    ثمّ طاف غبطته بموكب حبري مهيب داخل الكنيسة، وخرج منها عبر الباب الجانبي، يتقدّمه الإكليروس، ليتوجّهوا بعدئذٍ ومعهم المؤمنون إلى ساحة مقرّ الكرسي البطريركي، ثمّ إلى أمام الباب الرئيسي للكنيسة، حيث وقفوا جميعاً خلف غبطته، وأُغلِق الباب. فأقام غبطته بعض الصلوات السريانية، ورنّم غبطته والإكليروس الترنيمة الكنسية المؤثّرة: "ܥܰܠ ܗܰܘ ܬܰܪܥܳܐ ܒܰܪܳܝܳܐعال هاو ترعو بارويو" (على الباب الخارجي)، وترجمتها: أمام الباب الخارجي كان شمعون (سمعان بطرس) جالساً وهو يبكي، قائلاً: ربّي افتح بابك، أنا تلميذك، إنّ السماء والأرض تبكيان عليّ، فقد أضعْتُ مفاتيح الملكوت.

    وجثا غبطة أبينا البطريرك أمام الباب الخارجي، وقرعه ثلاثاً بالصليب، قائلاً: "ܬܰܪܥܳܐ ܕܪ̈ܰܚܡܰܝܟتَرعو درحميك" (باب مراحمك)، ثمّ فُتِحَ الباب ودخل الجميع إلى الكنيسة.

    وفي موعظته في نهاية الرتبة، استهلّ غبطة أبينا البطريرك كلامه بالإشارة إلى أنّ "اليوم عيد الشعانين، رافقنا يسوع بدخوله الوديع والمتواضع إلى أورشليم. دخل، كما أعلن الإنجيل المقدس، راكباً على حمار متواضع. لم يأتِ كقائد حوله العسكر وهم يخيفون الناس، ولكن دخل إلى أورشليم بالتواضع، والتلاميذ والجمع، صغاراً وكباراً، استقبلوه بالأوشعنا: فليَعِش الملك، ابن داود".

    ولفت غبطته إلى أنّنا "في هذا المساء احتفلنا برتبة "النهيرة"، أي الأنوار، المصابيح المضيئة، وتُسمَّى أيضاً "الوصول إلى الميناء"، والتي هي المدخل المسيحي الحقيقي لعيش أسبوع الآلام وصلب الرب يسوع وموته، ولمشاركته في مجد قيامته".

    ونوّه غبطته بأنّنا "سمعنا من صلاةܣܶܕܪܳܐالسدرو، أي الصلاة المطوَّلة، التي أنشدها ثلاثة كهنة، حيث يخبرنا التاريخ أنّه لم يكن يحقّ للمسيحيين أن يخطبوا في الكنائس، فاكتشفنا، نحن السريان الأنطاكيين والموارنة والكلدان، طريقة لنعلِّم شعبنا معنى العيد، إذ ألّف آباؤنا الصلاة المطوَّلة التي فيها شرح للعيد. وسمعنا في هذه الصلاة، التي رتّلها في هذه الرتبة الآباء الكهنة، عن هذا المثل الرائع، مثل العذارى العشر اللواتي ذهبْنَ وانطلقْنَ حتّى يلتقينَ بالختن السماوي".

    وتأمّل غبطته بهذا "المثل المعبِّر جداً، وبطلاتُه، أي اللواتي يقمْنَ به، هنَّ نساء. يعلّمنا الإنجيل أنّهنّ كُنَّ عشر عذارى. للأسف كانت بينهُنَّ حكيمات وجاهلات. يسوع عنى بالزيت الذي كان يجب أن يضيء في المصابيح الأعمالَ الصالحة، وكأنّ به يقول للجاهلات: أين كنتنَّ أنتنَّ حين كان هناك جياع وغرباء وأناس بدون مأوى وأناس عائشون بالألم؟ أين كنتنَّ كي ترافقْنَهم وتعملْنَ معهم الأعمال الصالحة؟ هذا هو معنى زيت المصابيح".

    وأكّد غبطته على أنّنا "نحن، أحبّاءنا، بالرغم من كلّ ما نقاسيه اليوم من آلام وأوجاع وضغوطات وخوف، أكان هنا في لبنان، أو في العراق، أو سوريا، سنظلّ شعباً ثابتاً بالرجاء، مهما كانت الصعوبات والآلام. ونحن نعلم جيّداً صعوباتكم وآلامكم وأوجاعكم، لا سيّما من بينكم الذين اضطرّوا إلى الهجرة وترك أرضهم في العراق والمجيء إلى هنا في لبنان، منذ سنوات وأنتم تنتظرون الفرج. ربنا سمح أن تحلّ بكم هذه التجربة، وكنّا نتمنّى أن تستطيعوا جميعكم أن تجتمعوا مع أهلكم وعائلاتكم أينما كانوا، فلا تتقسَّم العائلات، والأولاد الصغار يعيشون بهذا النوع من المنفى معكم، نعم، نسمّيه منفى، لأنّ هذا التهجير مؤلم جداً، لكم ولنا. إنّنا نسعى جهدنا، أحبّاءنا، أن نكون معكم ونشعر معكم بهذه الآلام في هذا الزمن الصعب".

    وتوجّه غبطته بالشكر إلى "جميع الآباء الخوارنة والكهنة والذين نظّموا هذا الإحتفال المؤثّر. نشكر شمامستنا الإكليريكيين الذين لم يستطيعوا أن يسافروا للقاء أهلهم وأبرشياتهم في العراق، فبقوا هنا كي يشاركونا ويشاركوكم في هذه الصلوات".

    وختم غبطته موعظته بالقول: "نسأل الرب أن يقوّي إيماننا، ويثبّتنا بالرجاء، ويجعلنا دائماً شهوداً له مهما كانت الأحوال، هو القادر على كلّ شيء، وهو الذي يحمينا ويعزّي قلوبنا ويباركنا جميعاً، لا سيّما صغارنا وشبابنا، بشفاعة أمّنا مريم العذراء، وجميع القديسين والشهداء".

    بعدئذٍ منح غبطته البركة الختامية لجميع الحاضرين.