نص موعظة غبطة أبينا البطريرك خلال القداس الذي احتفل به بمناسبة عيد القديس مار أفرام السرياني في كاتدرائية مار جرجس التاريخية، الخندق الغميق – الباشورة، بيروت

    يطيب لنا أن ننشر فيما يلي النص الكامل للموعظة التي ألقاها غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، خلال القداس الحبري الرسمي الذي احتفل به غبطته بمناسبة عيد القديس مار أفرام السرياني، شفيع كنيستنا السريانية وملفان الكنيسة الجامعة، وذلك مساء يوم السبت 21 شباط 2026، في كاتدرائية مار جرجس التاريخية، الخندق الغميق – الباشورة، بيروت:

 

موعظة غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان 

بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي  

 

في قداس عيد مار أفرام السرياني

السبت 21 شباط 2026

كاتدرائية مار جرجس، الباشورة – الخندق الغميق، بيروت

      

    أخي صاحب الغبطة مار روفائيل بيدروس ميناسيان الكلّي الطوبى

    صاحب المعالي الوزير الدكتور بول مرقس، ممثِّلاً فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون

    صاحب السيادة السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا الجزيل الإحترام

    صاحبَي السيادة والنيافة ممثِّلَي صاحبَي الغبطة مار بشارة بطرس الراعي والقداسة مار اغناطيوس أفرام الثاني

    أصحاب السيادة والنيافة المطارنة الأحبار الأجلاء

    أصحاب السعادة النواب وممثّلي قادة الأجهزة الأمنية والرسميين والفعاليات

    الآباء الخوارنة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات

    أيّها الإخوة والأخوات المحبوبون بالرب

 

"حينئذٍ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم" (متّى 13: 43)

 

    هذا ما سمعناه في نهاية قراءة الإنجيل المقدس بحسب القديس متّى، حيث تكلّم الرب يسوع عن موضوع الخير والشرّ في العالم، وكيف أنّ الله سيحاسب الجميع على أعمالهم. وسمعنا من رسالة مار بولس الثانية إلى أهل كورنثوس هذا النصّ الرائع جداً، حيث أنّ رسول الأمم لم يكتفِ بالأقوال، بل عاش شهادته الحقيقية للرب يسوع بكلّ الآلام والضيقات التي سمعناه يتحدّث عنها.

    "يضيء الأبرار كالشمس"، إنّها آية تعبق بالتعزية، وتحمل في طيّاتها رجاءً عظيماً لا يخزى، إذ تؤكّد لنا أنّ البرّ الحقيقي لا يضيع، بل أنّ عيش الأمانة للرب يمنح المؤمن نوراً ومجداً أبدياً. فالبارّ يضيء مشعّاً بنور لا ينطفئ، لأنّ قلبه ممتلئ بمحبّة الله، ويتجلّى ذلك في الصلاة ونقاوة القلب والصوم وأعمال الرحمة والخير.

    من هؤلاء الأبرار الذين يشعّون في ملكوت أبيهم السماوي، وعبرَ مسافات من الزمن، نعود إلى القرن الرابع الميلادي، لنكتشف وجهاً مشرقاً في تاريخ كنيستنا المشرقية وفي مسيرة البشرية الروحية. إنّه مار أفرام، أحد الآباء المشرقيين العظام، "قيثارة الروح القدس وشمس السريان"، كما دعاه يوحنّا فم الذهب. لقد اعتادت كنيستنا السريانية أن تحتفل في السبت الأول من الصوم الكبير بعيدٍ خاصٍّ به، وذلك للإرتباط الوثيق الذي يجمع هذا القديس بالصوم، كسلَّم يرتقيه للقاء الرب والإتّحاد به، فأضحى مثالاً للصائمين. وهو المنشدشعراً سريانياً: «ܟܶܦܢܶܬ ܟܡܳܐ ܙܰܒܢܺܝ̈ܢ ܕܰܟܝܳܢܝ̱ ܬܳܒܰܥ ܗ̱ܘܳܐ... ܐܶܢܳܐ ܠܺܝ ܥܶܒܕܶܬ ܥܺܕ̱ܬܳܐ ܠܰܡܫܺܝܚܳܐ܆ ܩܰܪܒܶܬ ܠܶܗ ܒܓܰܘܳܗ̇ ܒܶܣܡ̈ܶܐ ܘܗܶܪ̈ܽܘܡܶܐ܆ ܥܰܡܠܳܐ ܕܗܰܕ̈ܳܡܰܝ»، وبالعربية: "جعتُ مراراً، كما يقتضيه كياني... جعلتُ ذاتي بيعةً للمسيح، وقرّبتُ فيها بخوراً وعطوراً، جُهدَ أعضائي".

    وُلِدَ أفرام ونشأ في نصيبين، شمال شرقي سوريا، وعاش زاهداً بحطام هذه الفانية بحياةٍ ملؤها الصلاة والصوم والمحبّة. واختار أن يبقى شمّاساً، أي خادماً، مكرّساً ذاته للرب، ملتزماً بقضايا شعبه واحتياجاتهم. تميّز بروحانيته وعلمه، متعمّقاً بأسفار الكتاب المقدّس، متأمّلاً ومعلّماً، شارحاً أسرار الخلاص بشاعرية ملهمة، حتّى دُعِيَ بحقّ بالسريانية ܡܰܠܦܳܢܳܐ ܬܺܒܶܠܳܝܳܐ، ملفان أي معلّم الكنيسة الجامعة، واليوم نقول دكتور وبروفسور. ولا تزال كنائسنا السريانية والكنائس الشرقية والغربية أجمع تغرف الصلوات والتعاليم والأناشيد من الإرث الروحي والطقسي الذي خلّفه هذا القديس العظيم.

    تدرّب أفرام على يد مار يعقوب راعي كنيسة نصيبين ومؤسِّس مدرستها، وفي هذه المدرسة علّم، إلى أن تهجّر منها إلى الرها (أورفا اليوم) غرباً، حيث تابع تعليمه في مدرستها الشهيرة. وعُرِفَ بغزارة مؤلَّفاته بالسريانية وترجماتها إلى اللاتينية والأرمنية واليونانية، ثمّ إلى اللغات الحديثة المعروفة في يومنا، لا سيّما الشعرية والإنشادية منها، وشروحاته للكتاب المقدس، مقرونةً برسالة الشهادة لأولوية الروح في مجتمعه المضطرب. فسار على خطى معلّمه الإلهي، رجل صلاة وصوم وتأمُّل وعمل.

    هذا القديس من شرقنا، أطلق عليه البابا بنديكتوس الخامس عشر عام 1920 لقب ملفان الكنيسة الجامعة قاطبةً، مقتنعاً بما قدّمه له سلفنا الأسبق البطريرك مار اغناطيوس أفرام الثاني رحماني. إذ أنّ أشعار أفرام وأناشيده "الميامر"، ومواعظه "المداريش"، وتفاسيره تكاد تحتوي على أسفار الكتاب المقدس بكاملها، ممّا يساعدنا على الإقرار بأنّ جذور إيماننا المسيحي جاءتنا في ثقافة مشرقية وبتفكير ساميّ، كان أفرام السرياني أفضل الشاهدين عليهما، كما ذكر البابا بنديكتوس السادس عشر في موعظته، في تشرين الثاني 2007. وقد أجاد مار غريغوريوس النيصي في قوله: "لو فُقِدَت نسخة الكتاب المقدس بالسريانية، لاستطعنا جمعها ثانيةً من مؤلّفات مار أفرام".

    شفيعنا مار أفرام هو الشادي المريمي، المولَّه بدور والدة الله في التدبير الخلاصي: «ܒܬܽܘܠܬܳܐ ܝܶܠܕܰܬ ܕܽܘܡܳܪܳܐ» "البتول التي ولدت عجباً" كلمةَ الله الأزلي الذي حملَتْهُ مريم في أحشائها، وقدّمَتْهُ فادياً لجميع البشر، مصالحاً البشرية مع خالقها. كما ألهمته قريحته الشعرية وانجذابه إلى التبحُّر في سرّ مريم، حوّاء الثانية، أن يُطلِق جوقة العذارى، لينشدنَ ترانيم التمجيد لله، والتكريم لوالدته، بألحان تتميّز بالسهولة والعذوبة.

    من سيرة حياة هذا القديس ندرك أنّه جمع بين الصلاة في حياة روحية زاهدة وخدمة القريب، فالتزم بقضايا مدينته الأولى نصيبين، والثانية الرها. وبهذا يعطينا المثل في الشهادة المسيحية الحقّة، وفي التضحية والبذل من أجل "الآخر" دون تمييز، وليس فقط من كان قريباً في العائلة أو الدين أو الطائفة. لقد اختبر معاناة التهجير قسراً عن موطنه الأول نصيبين، لذلك نراه يفكّر أيضاً بالغرباء، أي المهجَّرين أمثاله. وقصّة المهجَّرين واللاجئين والمتغرِّبين قصّة طويلة لا تزال حاضرة ومأساوية في أيّامنا! وهنا علينا أن نذكر أنّ أحبّاءنا المتغرِّبين من العراق، والذين يصلّون في إرسالية العائلة المقدسة في سدّ البوشرية، موجودون معنا اليوم، والبعض منهم تغرّبوا، ولا يزالون هنا منذ سنوات عديدة ينتظرون رجاء الخلاص.

    قضى أفرام سنواته الأخيرة يحنو على المهجَّرين والمرضى، ساعياً إلى عيش شهادة المحبّة الحقيقية، إلى أن مات متغرّباً بعد أن أصيب بالوباء.

    على مثال شفيعنا مار أفرام، سعتْ كنيستنا السريانية، أينما وُجِدَت، شرق دجلة وغرب الفرات، في مشرقنا المتوسّط، كما في بلاد الإنتشار، ورغم التشتُّت والإضطهاد والتهجير قسراً وطوعاً، أن تبقى أمينةً لدعوتها، كنيسةً رسوليةً، ناشرةً حضارتها ذات الجذور السريانية الآرامية، شاهدةً، معترفةً، وشهيدةً حتّى سفك الدم في سبيل إنجيل المحبّة والسلام، تعزيزاً للحضارة الإنسانية الجامعة، متذكّرين أنّ ثقافتها وصلت إلى أقصى البلاد المعروفة شرقاً آنذاك، كالهند، حيث لا تزال مزدهرة في الكنيستين السريانيتين الملنكارية والملبارية. وقد زرنا الكنيسة السريانية الملنكارية هناك عدّة مرّات، آخرها زيارتنا إلى كيرالا في أيلول المنصرم، حيث عاينّا الإنتعاش الإيماني والغزارة الروحية والعلمية والثقافية، ولا سيّما على صعيد دراسة اللغة والآداب السريانية في معهد مار أفرام للدراسات المسكونية SEERI. ونحيّي في هذا المقام صاحب الغبطة أخانا الكردينال مار باسيليوس اقليميس كاثوليكوس الكنيسة السريانية الكاثوليكية الملنكارية الذي يسهر على حفظ وديعة الإيمان والتراث واللغة السريانية في تلك البلاد.

    أيّها الأحبّاء،

    نتابع معكم باهتمام بالغ وقلق متزايد ما يجري حولنا من تجاذباتٍ يومية، بين الحوار والتفاوض الديبلوماسي من جهة، واللجوء إلى الحرب والعنف من جهة أخرى، ونسأل الله، بشفاعة مار أفرام، أن يقِيَنا خطر الإنزلاق إلى ما لا يُحمَد عُقباه. إليه نضرع، هو ملك السلام، كي ينشر سلامه وأمانه في منطقة الشرق الأوسط وفي كلّ أنحاء العالم، لينعم جميع الشعوب والأوطان بالطمأنينة والإستقرار والعيش الكريم.

    ونحن في هذا الوطن الغالي والمميَّز لبنان، نعتبر أنّه واجب علينا كما على غيرنا من مختلف الطوائف، كبيرة كانت أم صغيرة، أن ندافع عنه، وطناً حرّاً، وطناً نهائياً لجميع الطوائف، وليس حكراً على طائفة أو دين. نشكر فخامة رئيس البلاد على مساعيه الحميدة للحفاظ على لبنان وطناً مستقلاً حرّاً وأميناً لرسالته في الشرق والعالم، ونثني على القرارات الصريحة والجريئة والواضحة التي يتّخذها فخامته في معالجة مختلف المواضيع المطروحة على مساحة الوطن، وبخاصّة ما يبذله من جهود مضنية في سبيل النهوض بلبنان والعودة به إلى مكانته الطبيعية المرموقة بين الدول، وبسط سلطة الدولة وسيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيدها وحدها، ووقف إطلاق النار والتعدّيات الإسرائيلية، وإعادة الإعمار، وتحقيق الإصلاحات، وإجراء الإنتخابات النيابية في مواعيدها الدستورية بمشاركة جميع المواطينن فيها، من مقيمين ومغتربين.

    لقد كنّا نتمنّى حضور فخامته شخصياً معنا، كي يشاركنا فرحة هذا العيد، ويعطي أبناء كنيستنا بعض الأمل بوطنٍ حرمهم حقّ التمثيل في مؤسّسات الدولة ووظائفها العامّة، على غرار أسلافه الرؤساء الذين كانوا يحضرون قداس الأحد الجديد في هذه الكاتدرائية قبل سنوات الحرب المشؤومة. وقد بقيت هذه الكاتدرائية مهدَّمة ومُهمَلة أربعين عاماً، إلى أن أعاننا الله على ترميمها بالشكل الذي كانت عليه في الماضي، شاكرين جميع الذين ساعدونا في إتمام هذا المشروع الهامّ جداً. نشكر فخامته على إيفاد معالي الوزير الدكتور بول مرقس الذي نحبّ ونحترم، كي يمثّله متقدّماً الحضور في هذه المناسبة. كما نشارك فخامتَه في التخوّف على لبنان الوطن الذي تميّز بالعيش الواحد والمشترَك بين مكوّناته الدينية والطائفية، رغم ما نسمع من تصريحات "عنترية" تتجاهل واقع المآسي التي سبَّبَتْها النزاعات الداخلية والحروب الخارجية، وأضنَت العديد من أبناء الوطن، لا سيّما في الجنوب العزيز. ونقولها بألم شديد: إنّ كنيستنا وشعبنا قد عانيا الأمرَّين في السنوات الأخيرة في مناطق الشرق، من أجل حرّيتنا الدينية وحقوقِنا المدنية. لذلك نثمّن النظام القائم في لبنان، بالرغم من نقائصه ومحدوديته، ونعتبره واحة العدل والحرّية والديمقراطية في الشرق الأوسط. كما نقتنع بأنّ لبنان أولاً وأخيراً يُبنى بشعبه ويزدهر بأبنائه وبناته المؤمنين به، وطناً نهائياً للحرّية، وللمشاركة التوافقية الحضارية، وطن الرسالة للعالم أجمع، كما وصفه البابا القديس يوحنّا بولس الثاني.

    ختاماً، نرفع إلى الله صلاتنا: أهّلنا يا ربَّنا يسوعَ المسيح، أن نصوم صوماً مقدِّساً ومُطهِّراً ومُرضياً لك. وكما ارتضيتَ بصوم مار أفرام وجميع الأبرار والصدّيقين، إقبَلْ صومنا وصلواتنا وارحمنا. نقرع باب مراحمك متَّكلين على وعودك يا ربّنا الحنون. إمنح الأمن لبلادنا، وأفِضْ بركاتك على شعبك. يا من بصومه وآلامه وموته وقيامته حرَّرنا من خطايانا، طهِّرْ قلوبنا وأفكارنا ونيّاتِنا، لنسبِّحك على الدوام، ونمجِّد أباك السماوي وروحك القدوس، إلى الأبد، آمين.