النصّ الكامل للموعظة التأبينية التي ألقاها غبطة أبينا البطريرك في رتبة جنّاز ودفن المثلَّث الرحمات المطران مار فلابيانوس يوسف ملكي، دير الشرفة - لبنان

    ننشر فيما يلي النصّ الكامل للموعظة التأبينية التي ألقاها غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، في رتبة جنّاز ودفن المثلَّث الرحمات المطران مار فلابيانوس يوسف ملكي المعاون البطريركي سابقاً، وذلك بعد ظهر يوم الإثنين 2 شباط 2026، في كنيسة دير سيّدة النجاة البطريركي – الشرفة، درعون – حريصا، لبنان:

 

موعظة غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان

بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي

في تأبين

المثلَّث الرحمات المطران مار فلابيانوس يوسف ملكي

المعاون البطريركي للسريان الكاثوليك سابقاً

 

كنيسة دير سيّدة النجاة البطريركي – الشرفة، درعون – حريصا، لبنان

الإثنين 2 شباط 2026

 

"أطلِق الآن يا رب عبدك بسلام لأنّ عينيّ قد رأتا خلاصك" (لو2: 29)

 

    أخانا صاحب الغبطة الكاثوليكوس البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرين ميناسيان الكلّي الطوبى

    أصحاب السيادة والنيافة الإخوة الأحبار الأجلاء الجزيلي الاحترام

    الآباء الخوارنة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات الأفاضل

    أيّها الأحبّاء المبارَكون بالرب

 

    نجتمع اليوم لنودّع المثلَّث الرحمات مار فلابيانوس يوسف ملكي، بالأسى، ولكن أيضاً بصلاة الرجاء، وقد خدم الكنيسة بالأمانة، عاملاً بالشعار الذي اتّخذه على مدى سنوات خدمته حتّى الرمق الأخير، وهو: احتمِل المشقّات واعمل عمل المبشّر وتمِّم خدمتك (2تيم4: 5). وقد شاءت العناية الإلهية أن يصادف انتقاله من هذا العالم الفاني ووداعه الأخير في هذا اليوم المبارك، يوم عيد دخول الرب يسوع وتقدمته إلى الهيكل، وكأنّ به يهتف مع شمعون الشيخ ملتمساً من الرب أن يطلقه بسلام لأنّ عينيه قد أبصرتا الخلاص، على ما يخبرنا القديس لوقا في نصّ الإنجيل المقدس الذي سمعناه للتوّ. نعم، لقد أبصرت عينا المثلَّث الرحمات الخلاص، وعاش مسيرة حياته وخدمته على رجاء الخلاص بالرب يسوع، معلناً نوره للعالم، وباثّاً فيهم بشرى الفرح والمحبّة والسلام في خضمّ التحدّيات والمصاعب.

    وُلِدَ المطران مار فلابيانوس يوسف ملكي في مدينة الحسكة في 10 تشرين الأول 1931، من أبوين عاشا معاناة التهجير، هما ابراهيم بن بطرس ملكي، وفريدة بنت فتح الله بابيك. ونشأ في عائلة متجذّرة في الإيمان، حيث كان الكهنوت حاضراً في تاريخها الزمني والروحي. وقد وصف الدعوة الكهنوتية في سيرته بأنّها "سرّ غامض ونداء إلهي يقود الإنسان في طرق ملتوية، ليبلغه الغاية التي يريدها الله له".

    في طفولته، تلقّى دروسه الإبتدائية في الحسكة، حيث عايش اضطرابات سياسية شهدتها منطقة الجزيرة السورية في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، ما دفع عائلته إلى الإنتقال مؤقّتاً إلى لبنان عام 1937، حيث التحق بمدرسة راهبات القلبين الأقدسين في درعون، بالقرب من دير الشرفة، الذي كان يرأسه آنذاك عمّه المثلَّث الرحمات المطران مار فلابيانوس زكريا ملكي. وعاد لاحقاً إلى الحسكة لمتابعة دراسته، قبل أن يتعرّض عام 1940 لمرض خطير أدّى إلى شلل جزئي في ساقه، رافقه طوال حياته، لكنّه لم يكن عائقاً أمام مسيرته العلمية والروحية نحو الكهنوت والأسقفية. وانتقل على إثر ذلك إلى لبنان للعلاج، حيث تابع دراسته.

    في صيف عام 1943، وأثناء إقامته في دير الشرفة، بدأت ملامح الدعوة الكهنوتية تتبلور في حياته، فالتحق بالإكليريكية في القدس بإدارة الآباء البنديكتيين، حيث أمضى خمس سنوات من الدراسة الثانوية والتنشئة الروحية. وخلال حرب عام 1948، عايش ظروفاً صعبة، ما استدعى نقل الإكليريكيين إلى لبنان، حيث استقرّ هو وزملاؤه في دير الشرفة اعتباراً من 6 تمّوز، فأنجز تحصيل علومه الكهنوتية في الفلسفة واللاهوت.

    سيم كاهناً في 17 تشرين الأول عام 1954 بوضع يد المثلَّث الرحمات البطريرك الكردينال مار اغناطيوس جبرائيل الأول تبّوني، في كاتدرائية مار جرجس في الباشورة - الخندق الغميق – بيروت، والتي بقيت أكثر من أربعين عاماً مُهمَلة ومهدَّمة، إلى أن أعاننا الرب على ترميمها محافظين على أصالتها. وتمّت سيامته الكهنوتية هذه مع تسعة من رفاقه الشمامسة، تصوّروا في تلك السنة كان لنا عشرة كهنة جدد!، اثنان منهم أصبحا بطريركين (البطريرك داود والبطريرك عبد الأحد)، واثنان مطرانين، وخمسة كهنة، ونذكر منهم صاحب السيادة مار ربولا أنطوان بيلوني والخوراسقف توما عزيزو، في حين سبقهم السبعة الآخرون إلى ديار الملكوت.

    تدرّج الأب يوسف ملكي في مسؤولياته الكنسية، فاتّخذه البطريرك تبّوني مساعداً لأمين سرّ البطريركية مدّة ثلاث سنوات. ثم تعيّن عام 1958 مدرِّساً في إكليريكية دير الشرفة، ثمّ مديراً لقسم الشمامسة بين عامي 1963 و1968، جامعاً بين الإدارة والتعليم. ولمّا توفّي الأب برنارد مرمرجي عام 1964، تولّى مع مهامه خدمة رعية جونيه.

    وهنا لا بدّ لي أن أذكر أنّ المثلَّث الرحمات كان لي معلّماً في الإكليريكيتين الصغرى والكبرى. كما خدمتُ معه في إدارة الإكليريكية عندما كان رئيساً للإكليريكية والدير.

    عام 1970 سافر إلى الولايات المتّحدة الأميركية لتحسين لغته الإنكليزية، وأقام في إحدى الرعايا القريبة من جامعة فورهام الكاثوليكية في نيويورك. وعند عودته، عيّنه المثلَّث الرحمات البطريرك مار اغناطيوس أنطون الثاني حايك كاهناً لرعية حمص في سوريا، ثمّ رجع من سوريا عام 1971 ليتقلَّد رئاسة دير الشرفة حتّى عام 1973، قام خلالها بترميم عدّة بيوت زراعية من وقف الدير، وأسّس النواة الأولى لمتحف الدير.

    عام 1974 سافر إلى بلجيكا للتخصُّص في اللاهوت والتاريخ والألسنية الشرقية في جامعة لوفان، وأنهى دروسه عام 1979 حائزاً على شهادة الماجستير. ثمّ عاد إلى بيروت حيث تولّى مهمّة كاهن رعية في كاتدرائية سيّدة البشارة عوضاً عن عمّه الأب ميخائيل ملكي الذي أصيب جراء حادث سيّارة أقعده عن العمل سنة كاملة.  

    عام 1980 غادر الأب يوسف بيروت من جديد إلى بلجيكا لمتابعة تخصُّصه في ميامر مار أفرام السرياني. وفي عام 1982 عاد إلى بيروت، وخدم مجدَّداً في أمانة سرّ البطريركية.

    عام 1983 سلّمه البطريرك حايك رئاسة دير الشرفة للمرّة الثانية، فعزّز أوقاف الدير، محيياً الكروم البائرة حول الدير، وفي بقعاتا، واقتنى قطعة أرض كبيرة بجوار الدير. وبين عامي 1986 و1988 أشرف على ترميم دير الشرفة، حيث أُنشِئت أجنحة وغرف جديدة.

    سيم الأب يوسف خوراسقفاً بوضع يد البطريرك حايك في الأول من كانون الأول عام 1991، مع إنعام لبس الصليب والخاتم. وثابر بغيرة وإخلاص على أعماله في رئاسة الدير وإدارة أوقافه والإكليريكيتين الكبرى والصغرى والمدرسة وعلى تعليم أصول الألحان الطقسية.

    في 23 حزيران 1995 انتخبه السينودس السرياني المقدس مطراناً على دارا شرفاً ومعاوناً بطريركياً، ووافق قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني على هذا الإنتخاب. وجرت سيامته الأسقفية في 31 كانون الأول من السنة عينها بوضع يد البطريرك حايك في كاتدرائية سيّدة البشارة في بيروت، حيث اتّخذ الإسم الأبوي "مار فلابيانوس"، وانتقل بعدئذٍ إلى الخدمة في مقرّ الكرسي البطريركي في بيروت كمعاون بطريركي، إلى أن انتقل في السنوات الأخيرة إلى دار المسيح الملك لراهبات الصليب في برمّانا، حيث قضى سنواته الأخيرة بشيخوخة صالحة، بإشراف واهتمام ورعاية مباشرة منّا، وبعناية من الأخوات الراهبات، حتّى رقد بالرب مساء يوم الجمعة الماضي في 30 كانون الثاني المنصرم.

    امتاز بمعرفته وعشقه وتذوُّقه للغة السريانية والتراث السرياني والليتورجية السريانية، فضلاً عن معرفته المتميِّزة بالطقوس والألحان الكنسية التي أدّاها بصوته الرخيم. كما أتقن اللغتين العربية والفرنسية، وألمّ بالإنكليزية والألمانية والإيطالية واللاتينية، وله مقالات عدّة في الليتورجيا والتاريخ الكنسي نشرَتْها مجلّدات محلّية في لبنان. كما أنّ المثلَّث الرحمات كان في عمر التسعين موجوداً في دير الشرفة، ولمحبّته للطقس السرياني وأناشيده، وهو في ذاك العمر، كان يعلّم ويمرّن الشمامسة على الألحان الطقسية.

    عمل جاهداً على متابعة ملفّ تطويب المطران الشهيد مار فلابيانوس ميخائيل ملكي، مطران جزيرة إبن عمر في تركيا، والذي نال إكليل الشهادة في 29 آب عام 1915. فحرص على كتابة سيرة حياته، وتابع دعوى التطويب منذ عهد البطريرك حايك، مروراً بعهد المثلَّثَي الرحمات البطريرك الكردينال مار اغناطيوس موسى الأول داود، والبطريرك مار اغناطيوس بطرس الثامن عبد الأحد، حتّى تسلّمنا نحن بنعمة الله الخدمة البطريركية، فتابعنا الجهود إلى أن وصلنا بمعونة الرب إلى إعلان تطويبه ورفعه على مذابح الكنيسة في 29 آب 2015. وهنا لا بدّ أن أذكر أنّني توسّلتُ المثلَّثَ الرحمات البابا فرنسيس كي ينهي أعمال مجمع دعاوى القديسين، لنعلن المطران الشهيد مار فلابيانوس ميخائيل ملكي طوباوياً في ذكرى مرور مئة سنة على استشهاده. وأقمنا لهذه الغاية احتفالاً روحياً مهيباً في هذا الدير المبارك، شارك فيه البطاركة الشرقيون والكردينال رئيس مجمع دعاوى القديسين. ونحن نسعى أن نكرّس في الوقت القريب الكابيلا المخصَّصة على اسم هذا الطوباوي الشهيد قرب هذه الكنيسة بدير الشرفة، بمتابعة وهمّة سيادة أخينا المطران مار غريغوريوس بطرس ملكي، والعائلة.

    نعم، أيّها الأحبّاء، برحيل هذا الحبر الجليل، تخسر كنيستنا السريانية الكاثوليكية حبراً جليلاً، وراعياً حكيماً، ومعلّماً غيوراً، وشاهداً أميناً للرجاء وسط الألم، وقد تحوّل ضعفه الجسدي إلى قوّة روحية، ومسيرته الكنسية إلى شهادة حيّة للدعوة إلى اتّباع الرب.

    تعازينا القلبيّة نقدّمها إلى إخوتنا أصحاب السيادة الأحبار الأجلاء المطارنة آباء السينودس المقدّس لكنيستنا السريانية الكاثوليكية الأنطاكية، ولا سيّما الحاضرين منهم معنا اليوم، وهم: مار يوحنّا جهاد بطّاح، مار متياس شارل مراد، مار اسحق جول بطرس، ومار يوليان يعقوب مراد، وبشكل خاص لإبن عمّه سيادة أخينا مار غريغوريوس بطرس ملكي. ونعزّي أشقّاءه الدكتور أفرام والدكتور ريمون وكبريال والدكتور فتح الله (موريس) وعائلاتهم، وشقيقته مادلين فورنييه وعائلتها، وعائلات شقيقيه المرحومين جان والمحامي ألبير، وعموم آل ملكي، والأهل والأقارب والأنسباء في لبنان وبلاد المهجر.

    في رتبة الجنّاز صلّينا مرنّمين بالسريانية، اللغة المحبَّبة والعزيزة على قلب المثلَّث الرحمات:

    « ܩܰܒܶܠ ܒܰܚܢܳܢܳܟ ܒܳܥܽܘܬ ܟܽܘܡܪܳܟ܆ ܘܫܰܟܶܢ ܠܶܗ ܪ̈ܰܚܡܶܐ ܒܝܽܘܡ ܡܶܐܬܺܝܬܳܟ. ܘܚܰܣܳܐ ܠܶܗ ܕܰܐܘܕܺܝ ܒܰܫܡܳܟ ܡܳܪܝܳܐ܆ ܘܢܶܒܗܰܬ ܣܳܛܳܢܳܐ ܕܰܚܙܳܐ ܕܚܰܢܬܳܝܗ̱ܝ̱ »

    "إقبل يا رب بحنوّك ملتمَس حبرك، وارحمه في يوم مجيئك. واعفُ عنه فقد اعترف باسمك، فيخزى الشيطان إذ يرى أنّك رئِفتَ به".

    ونحن أيضاً نردّد مع آبائنا السريان:

    « ܙܶܠ ܒܰܫܠܳܡܳܐ ܐܳܘ ܟܽܘܡܪܳܐ ܙܰܗܝܳܐ܆ ܘܺܝܪܰܬ ܡܰܠܟܽܘܬܳܐ ܥܰܡ ܟܺܐܢ̈ܶܐ ܘܥܰܡ ܙܰܕ̈ܺܝܩܶܐ ܕܡܶܢ ܥܳܠܰܡ ܫܦܰܪܘ̱ ܠܰܐܠܳܗܳܐ ܒܥܰܡ̈ܠܰܝܗܽܘܢ ܘܰܒܕܽܘܒܳܪ̈ܰܝܗܽܘܢ »

    "إذهب بسلام أيّها الحبر الجليل، ورث الملكوت مع الأبرار والصدّيقين الذين أرضوا الله من الأزل بأعمالهم الصالحة".

    رحم الله المثلَّث الرحمات أخانا مار فلابيانوس يوسف ملكي، ومتَّعه بميراث الملكوت السماوي مع الرعاة الصالحين والوكلاء الأمناء، وعوّض على الكنيسة برعاة صالحين بحسب قلبه القدوس. وليكن ذكره مؤبَّداً.