غبطة أبينا البطريرك يترأّس رتبة جنّاز ودفن المثلَّث الرحمات المطران مار فلابيانوس يوسف ملكي المعاون البطريركي سابقاً، دير الشرفة - لبنان

    في تمام الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الإثنين 2 شباط 2026، ترأّس غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، رتبة جنّاز ودفن المثلَّث الرحمات المطران مار فلابيانوس يوسف ملكي، المعاون البطريركي سابقاً، وذلك في كنيسة دير سيّدة النجاة البطريركي – الشرفة، درعون – حريصا، لبنان.

    شارك في الرتبة صاحب الغبطة روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان كاثوليكوس بطريرك كيليكيا للأرمن الكاثوليك، وصاحب السيادة المطران أنطوان عوكر ممثّلاً صاحب الغبطة الكردينال مار بشارة بطرس الراعي بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، وأصحاب السيادة المطارنة آباء السينودس السرياني المقدس، وهم: مار غريغوريوس بطرس ملكي، ومار يوحنّا جهاد بطّاح، ومار متياس شارل مراد، ومار اسحق جول بطرس، ومار يوليان يعقوب مراد، ومن الكنيسة السريانية الأرثوذكسية صاحب النيافة مار ثيوفيلوس جورج صليبا، ومن الكنيسة المارونية أصحاب السيادة: غي بولس نجيم، شكرالله نبيل الحاج، أنطوان نبيل العنداري، وأنطوان بو نجم، ومن الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية صاحب السيادة كريكور روبير باديشاه، ، والآباء الخوارنة والكهنة من الدائرة البطريركية ودير الشرفة وأبرشية بيروت البطريركية، ومن مختلف الكنائس الشقيقة، وعدد من الرهبان والراهبات من مختلف الرهبانيات، والشمامسة الإكليريكيون طلاب إكليريكية سيّدة النجاة البطريركية بدير الشرفة الذين خدموا الرتبة.

    كما شاركت في الرتبة جموع غفيرة من المؤمنين، وفي مقدّمتهم أشقّاء المثلَّث الرحمات وعائلاتهم، والأهل والأقرباء والأنسباء، والذين حضروا خصّيصاً للمشاركة في هذه المناسبة الأليمة.

    وبعد الإنجيل المقدس، ألقى غبطة أبينا البطريرك موعظة تأبينية بليغة، بعنوان: "أطلِق الآن يا رب عبدك بسلام لأنّ عينيّ قد رأتا خلاصك" (لو2: 29)، تحدّث فيها عن سيرة حياة المثلَّث الرحمات الذي اتّخذ شعاراً له قول مار بولس في رسالته الثانية إلى تلميذه تيموثاوس:"احتمِل المشقّات واعمل عمل المبشّر وتمِّم خدمتك" (2تيم4: 5)، منوّهاً بأنّنا "نجتمع اليوم لنودّع المثلَّث الرحمات مار فلابيانوس يوسف ملكي، بالأسى، ولكن أيضاً بصلاة الرجاء، وقد خدم الكنيسة بالأمانة، عاملاً بالشعار الذي اتّخذه على مدى سنوات خدمته حتّى الرمق الأخير. فقد شاءت العناية الإلهية أن يصادف انتقاله من هذا العالم الفاني ووداعه الأخير في هذا اليوم المبارك، يوم عيد دخول الرب يسوع وتقدمته إلى الهيكل، وكأنّ به يهتف مع شمعون الشيخ ملتمساً من الرب أن يطلقه بسلام لأنّ عينيه قد أبصرتا الخلاص، على ما يخبرنا القديس لوقا في نصّ الإنجيل المقدس الذي سمعناه للتوّ. نعم، لقد أبصرت عينا المثلَّث الرحمات الخلاص، وعاش مسيرة حياته وخدمته على رجاء الخلاص بالرب يسوع، معلناً نوره للعالم، وباثّاً فيهم بشرى الفرح والمحبّة والسلام في خضمّ التحدّيات والمصاعب".

    وتوقّف غبطته عند مراحل حياة المثلَّث الرحمات المختلفة، من ولادته وطفولته في الحسكة، وانتقاله إلى لبنان، ومتابعته الدراسة فيه، ثمّ عودته إلى الحسكة، فلبنان مرّة جديدة حيث بدأت ملامح الدعوة الكهنوتية تتبلور في حياته، فانتسابه إلى الإكليريكية في القدس بإدارة الآباء البنديكتيين، حيث أمضى خمس سنوات من الدراسة الثانوية والتنشئة الروحية، لينتقل بعدها مع زملائه الإكليريكيين إلى لبنان ويستقرّوا في دير الشرفة حيث أنجز تحصيل علومه في الفلسفة واللاهوت، مسهباً في الحديث عن خدمته الكهنوتية، إذ "سيم كاهناً في 17 تشرين الأول عام 1954 بوضع يد المثلَّث الرحمات البطريرك الكردينال مار اغناطيوس جبرائيل الأول تبّوني، في كاتدرائية مار جرجس في الباشورة - الخندق الغميق – بيروت، والتي بقيت أكثر من أربعين عاماً مُهمَلة ومهدَّمة، إلى أن أعاننا الرب على ترميمها محافظين على أصالتها. وتمّت سيامته الكهنوتية هذه مع تسعة من رفاقه الشمامسة، تصوّروا في تلك السنة كان لنا عشرة كهنة جدد!، اثنان منهم أصبحا بطريركين (البطريرك داود والبطريرك عبد الأحد)، واثنان مطرانين، وخمسة كهنة، ونذكر منهم صاحب السيادة مار ربولا أنطوان بيلوني والخوراسقف توما عزيزو، في حين سبقهم السبعة الآخرون إلى ديار الملكوت".

    ونوّه غبطته بأنّ الأب يوسف ملكي خدم مساعداً لأمين سرّ البطريركية لمدّة ثلاث سنوات، ثمّ مدرِّساً في إكليريكية دير الشرفة، ثمّ مديراً لقسم الشمامسة، جامعاً بين الإدارة والتعليم. ولمّا توفّي الأب برنارد مرمرجي، تولّى مع مهامه خدمة رعية جونيه، مشيراً إلى أنّ "المثلَّث الرحمات كان لي معلّماً في الإكليريكيتين الصغرى والكبرى. كما خدمتُ معه في إدارة الإكليريكية عندما كان رئيساً للإكليريكية والدير"، وأنّه سافر إلى الولايات المتّحدة الأميركية لتحسين لغته الإنكليزية، ثمّ تعيّن لخدمة رعية حمص، ليعود بعدها إلى لبنان حيث تقلّد رئاسة دير الشرفة، فيسافر بعدئذٍ إلى بلجيكا للتخصُّص في اللاهوت والتاريخ والألسنية الشرقية في جامعة لوفان، حيث حصل على شهادة الماجستير. ثمّ عاد إلى بيروت حيث تولّى مهمّة كاهن رعية في كاتدرائية سيّدة البشارة عوضاً عن عمّه الأب ميخائيل ملكي، ليغادر بيروت من جديد إلى بلجيكا لمتابعة تخصُّصه في ميامر مار أفرام السرياني. ثمّ عاد إلى بيروت، وخدم مجدَّداً في أمانة سرّ البطريركية. ثمّ سلّمه البطريرك حايك رئاسة دير الشرفة للمرّة الثانية، فعزّز أوقاف الدير، واقتنى قطعة أرض كبيرة بجواره، وأشرف على ترميمه، حيث أُنشِئت أجنحة وغرف جديدة. وسيم خوارسقفاً "فثابر بغيرة وإخلاص على أعماله في رئاسة الدير وإدارة أوقافه والإكليريكيتين الكبرى والصغرى والمدرسة وعلى تعليم أصول الألحان الطقسية".

    وأشار غبطته إلى أنّه "في 23 حزيران 1995 انتخبه السينودس السرياني المقدس مطراناً على دارا شرفاً ومعاوناً بطريركياً، ووافق قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني على هذا الإنتخاب. وجرت سيامته الأسقفية في 31 كانون الأول من السنة عينها بوضع يد البطريرك حايك في كاتدرائية سيّدة البشارة في بيروت، حيث اتّخذ الإسم الأبوي "مار فلابيانوس"، وانتقل بعدئذٍ إلى الخدمة في مقرّ الكرسي البطريركي في بيروت كمعاون بطريركي، إلى أن انتقل في السنوات الأخيرة إلى دار المسيح الملك لراهبات الصليب في برمّانا، حيث قضى سنواته الأخيرة بشيخوخة صالحة، بإشراف واهتمام ورعاية مباشرة منّا، وبعناية من الأخوات الراهبات، حتّى رقد بالرب مساء يوم الجمعة الماضي في 30 كانون الثاني المنصرم".

    ولفت غبطته إلى أنّ المثلَّث الرحمات "امتاز بمعرفته وعشقه وتذوُّقه للغة السريانية والتراث السرياني والليتورجية السريانية، فضلاً عن معرفته المتميِّزة بالطقوس والألحان الكنسية التي أدّاها بصوته الرخيم. كما أتقن اللغتين العربية والفرنسية، وألمّ بالإنكليزية والألمانية والإيطالية واللاتينية، وله مقالات عدّة في الليتورجيا والتاريخ الكنسي نشرَتْها مجلّدات محلّية في لبنان. كما أنّ المثلَّث الرحمات كان في عمر التسعين موجوداً في دير الشرفة، ولمحبّته للطقس السرياني وأناشيده، وهو في ذاك العمر، كان يعلّم ويمرّن الشمامسة على الألحان الطقسية".

    وشدّد غبطته على أنّ المثلَّث الرحمات "عمل جاهداً على متابعة ملفّ تطويب المطران الشهيد مار فلابيانوس ميخائيل ملكي، مطران جزيرة إبن عمر في تركيا، والذي نال إكليل الشهادة في 29 آب عام 1915. فحرص على كتابة سيرة حياته، وتابع دعوى التطويب منذ عهد البطريرك حايك، مروراً بعهد المثلَّثَي الرحمات البطريرك الكردينال مار اغناطيوس موسى الأول داود، والبطريرك مار اغناطيوس بطرس الثامن عبد الأحد، حتّى تسلّمنا نحن بنعمة الله الخدمة البطريركية، فتابعنا الجهود إلى أن وصلنا بمعونة الرب إلى إعلان تطويبه ورفعه على مذابح الكنيسة في 29 آب 2015. وهنا لا بدّ أن أذكر أنّني توسّلتُ المثلَّثَ الرحمات البابا فرنسيس كي ينهي أعمال مجمع دعاوى القديسين، لنعلن المطران الشهيد مار فلابيانوس ميخائيل ملكي طوباوياً في ذكرى مرور مئة سنة على استشهاده. وأقمنا لهذه الغاية احتفالاً روحياً مهيباً في هذا الدير المبارك، شارك فيه البطاركة الشرقيون والكردينال رئيس مجمع دعاوى القديسين. ونحن نسعى أن نكرّس في الوقت القريب الكابيلا المخصَّصة على اسم هذا الطوباوي الشهيد قرب هذه الكنيسة بدير الشرفة، بمتابعة وهمّة سيادة أخينا المطران مار غريغوريوس بطرس ملكي، والعائلة".

    وأكّد غبطته على أنّه "برحيل هذا الحبر الجليل، تخسر كنيستنا السريانية الكاثوليكية حبراً جليلاً، وراعياً حكيماً، ومعلّماً غيوراً، وشاهداً أميناً للرجاء وسط الألم، وقد تحوّل ضعفه الجسدي إلى قوّة روحية، ومسيرته الكنسية إلى شهادة حيّة للدعوة إلى اتّباع الرب"، مقدِّماً "تعازينا القلبيّة إلى إخوتنا أصحاب السيادة الأحبار الأجلاء المطارنة آباء السينودس المقدّس لكنيستنا السريانية الكاثوليكية الأنطاكية، ولا سيّما الحاضرين منهم معنا اليوم، وهم: مار يوحنّا جهاد بطّاح، مار متياس شارل مراد، مار اسحق جول بطرس، ومار يوليان يعقوب مراد، وبشكل خاص لإبن عمّه سيادة أخينا مار غريغوريوس بطرس ملكي. ونعزّي أشقّاءه الدكتور أفرام والدكتور ريمون وكبريال والدكتور فتح الله (موريس) وعائلاتهم، وشقيقته مادلين فورنييه وعائلتها، وعائلات شقيقيه المرحومين جان والمحامي ألبير، وعموم آل ملكي، والأهل والأقارب والأنسباء في لبنان وبلاد المهجر".

    وختم غبطته موعظته التأبينية ضارعاً إلى الرب يسوع كي يرحم المثلَّث الرحمات ويمتِّعه "بميراث الملكوت السماوي مع الرعاة الصالحين والوكلاء الأمناء، ويعوّض على الكنيسة برعاة صالحين بحسب قلبه القدوس. وليكن ذكره مؤبَّداً" (تجدون النص الكامل لموعظة غبطته التأبينية هذه في خبر آخر خاصّ على صفحة الأخبار هذه).

    ووجّه الخوارسقف حبيب مراد، بتوجيه من غبطة أبينا البطريرك، كلمة شكر إلى جميع المشاركين في هذه الرتبة وفي تقديم التعازي، وفي مقدّمتهم غبطة البطريرك ميناسيان، وأصحاب السيادة والنيافة المطارنة، والآباء الخوارنة والكهنة والشمامسة من مختلف الكنائس، وجميع الحاضرين، شاكراً أيضاً الذين أرسلوا رسائل تعزية إلى غبطته، وبخاصة صاحبي القداسة مار اغناطيوس أفرام الثاني بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، ومار آوا الثالث بطريرك كنيسة المشرق الآشورية، سائلاً الله أن يتغمّد المثلَّث الرحمات في ملكوته السماوي مع الرعاة الصالحين.

    كما ألقى الدكتور ريمون ملكي كلمة باسم عائلة المثلَّث الرحمات، قدّم خلالها الشكر البنوي لغبطة أبينا البطريرك على رعايته الأبوية بالكنيسة وبالمثلَّث الرحمات، وعلى ترؤُّسه هذه الرتبة، شاكراً أيضاً صاحب الغبطة البطريرك ميناسيان، وأصحاب السيادة والنيافة، والآباء الكهنة والشمامسة والحضور، متوقّفاً عن بعض محطّات من سيرة المثلَّث الرحمات، وسائلاً الجميع أن يصلّوا من أجل راحة نفسه.

    وخلال الرتبة، تُلِيَت الصلوات والترانيم والقراءات بحسب الطقس السرياني الأنطاكي، بلحن أليم ومؤثّر. ثمّ، ووسط الترانيم السريانية الشجيّة، حمل الأساقفة والكهنة والشمامسة جثمان المثلَّث الرحمات وطافوا به في زيّاح مهيب حول المذبح الرئيسي، ثمّ داخل الكنيسة، مودِّعاً المذبح والكنيسة بجهاتها الأربع، وإكليروسها ومؤمنيها، وسط جوٍّ من الرهبة والخشوع والحزن.

    وفي نهاية الرتبة، نُقِلَ الجثمان ليوارى في مثواه الأخير في مدافن الأحبار والكهنة الراقدين، في فناء الكنيسة الكبرى في الدير.

    هذا وكان غبطتُه قد تقدّم الحضور في تقبُّل التعازي في صالون الدير طوال اليوم، قبل رتبة الجنّاز والدفن وبعدها.

    رحم الله المثلَّث الرحمات المطران يوسف ملكي، ومتّعه بالسعادة الأبدية مع الرعاة الصالحين والوكلاء الأمناء.