غبطة أبينا البطريرك يشارك في القداس الإحتفالي لقداسة البابا لاون الرابع عشر في "فولكسفاغن أرينا" في اسطنبول - تركيا

    HB Patriarch YOUNAN participates at the Holy Mass celebrated by HH Pope Leo XIV, at the “Volkswagen Arena”, Istanbul, Türkiye

    في تمام الساعة الخامسة من مساء يوم السبت ٢٩ تشرين الثاني ٢٠٢٥، شارك غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، في القداس الحبري الذي احتفل به قداسة البابا لاون الرابع عشر، في "فولكسفاغن أرينا"، في اسطنبول - تركيا.

    شارك أيضاً في القداس صاحب الغبطة مار لويس روفائيل ساكو بطريرك الكلدان في العراق والعالم، وأصحاب النيافة الكرادلة وأصحاب السيادة المطارنة المرافقين لقداسة البابا، وأصحاب السيادة المطارنة الكاثوليك في تركيا، والآباء الخوارنة والكهنة، والرهبان والراهبات، وجموع غفيرة جداً من المؤمنين قُدِّرَت بأكثر من خمسة آلاف.

    كما شارك من كنيستنا السريانية الكاثوليكية: الخوراسقف أورهان شانلي، والمونسنيور حبيب مراد، والأب بول قس داود، والأب جيمي سركك، وجموع المؤمنين من أعضاء النيابة البطريركية في تركيا. وقد شاركت في خدمة القداس جوقة كنيسة مار أسيا الحكيم في سوردتاليا - السويد لكنيستنا السريانية الكاثوليكية.

    وحضر القداس صاحب القداسة برثلماوس الأول بطريرك القسطنطينية المسكوني للروم الأرثوذكس، وصاحب الغبطة ساهاك مشعليان بطريرك اسطنبول للأرمن الأرثوذكس، وصاحب النيافة المطران مار فيلكسينوس يوسف جتين النائب البطريركي للسريان الأرثوذكس في اسطنبول وأنقرة وإزمير.

    وبعد الإنجيل المقدس، ألقى قداسة البابا لاون الرابع عشر موعظة روحية استهلّها بالإشارة إلى أنّنا "نحتفل بهذا القداس عشيّة اليوم الذي تخلّد فيه الكنيسة ذكرى القديس أندراوس الرسول، شفيع هذه الأرض. وفي الوقت نفسه، نبدأ زمن المجيء، وهو موسم إعداد أنفسنا لكي نختبر من جديد في عيد الميلاد سرّ يسوع، ابن الله، "مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر"، كما أُعلِنَ رسمياً قبل ١٧٠٠ سنة من قِبَل الآباء المجتمعين في مجمع نيقية. وفي هذا السياق، تأتي القراءة الأولى من قداس اليوم من أحد أجمل المقاطع في سفر إشعيا النبي، حيث يتردّد صدى الدعوة، مستقطبةً جميع الشعوب إلى الصعود إلى جبل الرب، مكان النور والسلام. ومعاً نتأمّل فيما يعنيه أن نكون جزءاً من الكنيسة من خلال التفكير في بعض الصور التي يقدّمها هذا النص".

    ولفت قداسته إلى أنّ "الصورة الأولى هي صورة الجبل "المُثبَّت كأعلى الجبال". إنّها تذكّرنا بأنّ ثمار عمل الله في حياتنا هي هبة ليست لنا فقط، بل للجميع. إنّ صهيون مدينة موضوعة على الجبل، ورمز لجماعة وُلِدَت من جديد في الإخلاص. جمالها هو منارة نور للرجال والنساء من كلّ مكان، وهي تذكير بأنّ فرح الخير مُعدٍ. تؤكّد حياة العديد من القديسين هذا الأمر، فالقديس بطرس يلتقي بيسوع بفضل حماس أخيه أندراوس الذي قاده إلى الرب، جنباً إلى جنب مع الرسول يوحنّا، بفضل غيرة يوحنّا المعمدان. القديس أوغسطينوس، بعد قرون، يأتي إلى المسيح بفضل الوعظ الحارّ للقديس أمبروسيوس، وهناك العديد من الأمثلة المماثلة".

    ونوّه قداسته بأنّنا "نجد هنا دعوةً لتجديد قوّة شهادتنا الإيمانية، فقد تحدّث القديس يوحنّا الذهبي الفم، وهو راعٍ عظيم لهذه الكنيسة، عن جاذبية القداسة كعلامة أبلغ من المعجزات العديدة. أيُّها الأصدقاء الأعزّاء، إذا كنّا نريد حقّاً مساعدة الأشخاص الذين نلتقي بهم، فلنراقب أنفسنا، كما يوصي الإنجيل، وذلك بتنمية إيماننا بالصلاة والأسرار المقدسة، والعيش المتناسق مع الإيمان في ممارسة المحبّة، وطرح — كما ينصحنا القديس بولس في القراءة الثانية — أعمال الظلام ولبس سلاح النور. إنّ الرب، الذي ننتظره في مجده في نهاية الزمان، يأتي كلّ يوم ليقرع بابنا. لِنَكُنْ مستعدّين له، ملتزمين بصدق بالعيش حياة صالحة، على مثال القديسين والقديسات العديدين الذين عاشوا في هذه الأرض عبر العصور".

    وأشار قداسته إلى أنّ "الصورة الثانية التي تأتينا من النبي إشعيا هي صورة عالم يسود فيه السلام. هكذا يصفه: "يضربون سيوفهم سككاً، ورماحهم مناجل، لا ترفع أمّة على أمّة سيفاً، ولا يتعلّمون الحرب بعد". ما أشدّ إلحاح هذه الدعوة بالنسبة لنا اليوم! وما أعظم الحاجة إلى السلام والوحدة والمصالحة حولنا، وداخلنا، وفيما بيننا! ما هي مساهمتنا الممكنة في الإستجابة؟ لفهم هذا الأمر بشكل أفضل، فلنتأمّل في شعار هذه الزيارة الرسولية، حيث إحدى الصور المختارة هي صورة الجسر. يمكن أن يجعلنا ذلك نفكّر أيضاً في الجسر الكبير الشهير في هذه المدينة، الذي يعبر مضيق البوسفور ويوحِّد قارّتين: آسيا وأوروبا. بمرور الوقت، أُضيفَ معبران آخران، ليصبح هناك الآن ثلاث نقاط اتّصال بين الجانبين. هذه الهياكل الكبرى للتواصل والتبادل واللقاء مثيرة للإعجاب، ومع ذلك فهي صغيرة وهشّة للغاية مقارنةً بالأراضي الشاسعة التي تربطها. كما أنّ امتدادها الثلاثي عبر المضيق يذكّرنا بأهمّية جهودنا المشتركة لبناء جسور الوحدة على ثلاثة مستويات: داخل المجتمع، في العلاقات المسكونية مع أعضاء الكنائس الأخرى، وفي لقاءاتنا مع الإخوة والأخوات المنتمين إلى ديانات أخرى. إنّ العناية بهذه الروابط الثلاثة وتقويتها وتوسيعها بكلّ طريقة ممكنة، هو جزء من دعوتنا كي نكون مدينة موضوعة على تلّ".

    وأكّد قداسته على أنّ "الرابط الأول للوحدة هو الرابط داخل هذه الكنيسة، التي تتكوّن في هذا البلد من أربعة تقاليد ليتورجية مختلفة — اللاتينية، والأرمنية، والكلدانية، والسريانية، كلّ واحدة تساهم بثراء روحي وتاريخي وكنسي خاصّ بها. إنّ مشاركة هذه الاختلافات تُظهِر بوضوح إحدى أجمل سمات وجه عروس المسيح: الجامعية التي توحِّد. الوحدة التي تربطنا حول المذبح هي هبة من الله، على هذا النحو، هي قوية ومنيعة، لأنّها عمل نعمته. ولكن في الوقت نفسه، فإنّ تحقيق هذه الوحدة موكول إلينا، إلى جهودنا. ولهذا السبب، مثل الجسور على البوسفور، تحتاج الوحدة إلى العناية والاهتمام و"الصيانة"، حتّى تظلّ أسُسُها متينة ولا يضعفها الزمن والتقلّبات. بأعيننا المتّجهة نحو الجبل الموعود، صورة أورشليم السماوية، التي هي وجهتنا وأمّنا، لنبذل كلّ جهد لتعزيز وتقوية الروابط التي توحِّدنا، لكي نُثرِيَ بعضنا البعض، ونكون علامة ذات مصداقية أمام العالم على محبّة الرب الكونية واللانهائية".

    وشدّد قداسته على أنّ "الرابط الثاني للوحدة الذي يشير إليه هذا القداس هو المسكونية. وهذا ما يشهد عليه أيضاً حضور ممثّلي الكنائس الأخرى، الذين أحيّيهم بحرارة. في الواقع، إنّ الإيمان نفسه بيسوع مخلّصنا يوحِّد، ليس فقط أولئك الذين هم داخل الكنيسة الكاثوليكية، بل جميع إخوتنا وأخواتنا المنتمين إلى الكنائس الأخرى. لقد اختبرنا هذا بالأمس في صلاتنا في إزنيق، وهذا أيضاً هو مسار سِرْنا فيه معاً لبعض الوقت. لقد كان القديس يوحنّا الثالث والعشرون، الذي كان مرتبطاً بهذه الأرض بـ "روابط عميقة من المودَّة المتبادَلة"، داعياً كبيراً وشاهداً على الشركة المسكونية. ولذلك، بينما نطلب بكلمات البابا يوحنّا أن "يتحقّق السرّ العظيم لتلك الوحدة التي طلبها المسيح يسوع من الآب السماوي بصلوات حارّة عشيّة تضحيته"، نجدِّد اليوم "نعم" للوحدة: ليكونوا بأجمعهم واحداً">

    وتناول قداسته "الرابط الثالث للوحدة، والتي تدعونا إليه كلمة الله، وهو الرابط مع أعضاء الجماعات غير المسيحية. نحن نعيش في عالم غالباً ما يُستخدَم فيه الدين لتبرير الحروب والفظائع. ولكن، كما أعلن المجمع الفاتيكاني الثاني: إنّ موقف البشر من الله الآب وموقف الإنسان من إخوته البشر مرتبطان ارتباطاً وثيقاً لدرجة أنّ الكتاب المقدس يقول: "ومن لا يُحبُّ لا يعرف الله". لذلك، نريد أن نسير معاً، مُقدِّرين ما يجمعنا، هادمين جدران التحيُّز وانعدام الثقة، ومُعزِّزين المعرفة المتبادَلة والإحترام، لتقديم رسالة أمل قوية للجميع، ودعوة ليصبحوا صانعي سلام".

    وختم قداسته موعظته داعياً "إلى جعل هذه القيم قراراتنا لزمن المجيء، بل والأهمّ لحياتنا الشخصية والجماعية. نحن نسير وكأنّنا على جسر يربط الأرض بالسماء، جسر بناه الرب لنا. فلنُبقِ أعيننا مثبَّتة دائماً على الشاطئين، لكي نحبّ الله وإخوتنا وأخواتنا بكلّ قلوبنا، فنسير معاً، ونجد أنفسنا متّحدين يوماً ما في بيت الآب".

    وقبل نهاية القداس، ألقى سيادة المطران ماكسيميليانو بالينورو، النائب الرسولي للاتين في اسطنبول، كلمة شكر وامتنان عميقة إلى قداسة البابا، باسم الكنيسة في تركيا، على حضوره ورعايته، مثمّناً دور قداسته في "تثبيت إخوته الحجّاج في الإيمان" في هذه الأرض، مؤكّداً أنّ أرض تركيا هذه تُسمَّى بحقّ وعدل بـ "الأرض المقدسة للكنيسة"، بما تحمله من تاريخ كنسي عريق، واصفاً هذا التجمُّع الإفخارستي بعلامة رجاء، وأنّ هذا القداس يمثّل "علّيّة جديدة لعنصرة متجدِّدة"، شاكراً القيادة المدنية، مشيراً إلى أنّ "رئيس جمهورية تركيا قد عرض بسخاء هذا المكان، "فولكسفاغن أرينا"، ليتمّ فيه الاحتفال، ممّا يعكس التعاون في إنجاح الزيارة، وشاكراً أيضاً بتقدير الحضور الواسع الذي عكس وحدة الكنيسة وتنوُّعها، من بطاركة ورؤساء الكنائس الشقيقة، والذين صلّوا سوية معنا.

    وتطرّق سيادته إلى محور الزيارة اللاهوتي والتاريخي، وهو مجمع نيقية، حيث تستعيد الكنيسة الوحدة في إعلان الإيمان الواحد، مجدِّداً التزام الكنيسة المحلّية بالمسكونية. ثمّ تطرق إلى موضوع التعايش والتسامح، موضحاً أنّ المسيحيين والمسلمين يعيشون هنا معاً كإخوة منذ قرون، في فسيفساء من الثقافات، ويستفيدون من الثروات المتبادَلة، ويزيلون جدران التحيُّزات، مختتماً كلمته بالصلاة ودعوة المسيحيين الحجّاج في الأرض المقدسة لتركيا، بأن يكونوا صانعي عدل وسلام.

    وأهدى سيادته إلى قداسة البابا، باسم الكنيسة في تركيا، كأساً مذهَّباً للقداس، عربون محبّة وشكر وتقدير وإكرام.

    وبعد البركة الختامية، سار قداسته بين المؤمنين الذي حيّوه طالبين بركته، في جوّ من الفرح الروحي، ووسط التصفيق الحارّ.