|
في تمام الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم الجمعة ٢٨ تشرين الثاني ٢٠٢٥، شارك غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، في اللقاء الذي عقده قداسة البابا لاون الرابع عشر مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات والمكرَّسين والمكرَّسات والعاملين الرعويين، وذلك في كاتدرائية الروح القدس اللاتينية، في اسطنبول - تركيا.
شارك أيضاً في هذا اللقاء صاحب الغبطة الكردينال مار لويس روفائيل ساكو بطريرك الكلدان في العراق والعالم، وأصحاب السيادة رؤساء الكنائس الكاثوليكية في تركيا، والخوارنة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات والمكرَّسين والمكرَّسات والعاملين الراعويين، فضلاً عن أعضاء الوفد المرافق لقداسته من كرادلة وأساقفة وكهنة.
وشارك أيضاً من كنيستنا السريانية الكاثوليكية الخوراسقف أورهان شانلي، والمونسنيور حبيب مراد، والأب بول قس داود، والأب جيمي سركك، ورئيس وأعضاء مجلس النيابة البطريركية في تركيا، وعدد من الشمامسة والمؤمنين.
في بداية اللقاء، ألقى سيادة المطران مارتين النائب الرسولي للاتين في إزمير ورئيس مجلس الأساقفة الكاثوليك في تركيا، كلمة رحّب فيها بقداسة البابا، معبّراً عن الفرح الكبير باستقباله، وعن التعزية والرجاء والتشجيع الذي تشكّله زيارته وتفقُّده المؤمنين في هذا البلد، طالباً بركته الرسولية للكنيسة في تركيا، برعاتها وإكليروسها ومؤمنيها.
وبعد الإنجيل المقدس، ألقى قداسة البابا كلمة أعرب فيها عن سعادته الكبيرة وشكره الرب الذي مكَّنه من القيام بزيارته الرسولية الأولى إلى تركيا، "وهي المكان حيث التقى تاريخ شعب إسرائيل مع المسيحية الناشئة، وحيث يتعانق العهدان القديم والجديد، وحيثما كُتِبَت صفحات مجامع كثيرة، وحيث الجذور العميقة للإيمان الذي يوحّدنا"، مشيراً إلى أنّه "بعد موت يسوع وقيامته جاء تلاميذه إلى الأناضول، وفي أنطاكية، التي كان أسقفها فيما بعد القديس اغناطيوس، أُطلِق عليهم اسم المسيحيين للمرّة الأولى. ومن هذه المدينة بدأ القديس بولس بعض زياراته الرسولية، مؤسِّساً جماعات كثيرة. كما أنّه، وعلى شواطئ شبه جزيرة الأناضول، في أفسس، سكن ومات يوحنّا الإنجيلي حسب بعض المصادر القديمة".
وذكّر قداسته "بالماضي البيزنطي الكبير، والإندفاع الإرسالي لكنيسة القسطنطينية، وانتشار المسيحية في الشرق كلّه. كما أنّ اليوم لا تزال تعيش في تركيا جماعات مسيحية كثيرة من الطقس الشرقي، مثل الأرمن والسريان والكلدان، وأيضاً من الطقس اللاتيني، هذا إلى جانب مواصلة البطريركية المسكونية كونها مرجعية، سواءً لمؤمنيها من اليونانيين، أو لغيرهم من الطوائف الأرثوذكسية الأخرى. وأنتم أيضاً قد وُلِدتُم من ثراء هذا التاريخ الطويل، وأنتم اليوم الجماعة المدعوَّة إلى زرع بذرة الإيمان الذي نقله إلينا ابراهيم والرسل والآباء".
وشدّد قداسته على أنّ "التاريخ الذي سبقهم ليس مجرّد شيء لتذكُّرِه ثمّ أرشفَتِه في ماضٍ مجيد، بينما ننظر باستسلام إلى أنّ الكنيسة الكاثوليكية قد أصبحت أصغر عدداً، بل علينا التحلّي بنظرة إنجيلية ينيرها الروح القدس. وحين ننظر بعينَي الله، نكتشف أنّه قد اختار حياة الصغر ليسكن بيننا، وهذا هو أسلوب الربّ الذي علينا أن نشهد له. فالأنبياء أعلنوا وعد الله متحدّثين عن غصن صغير ينمو، ويسوع مدح الصغار الذين أتوا إليه، مؤكّداً لهم أنّ ملكوت الله لا يأتي بلفت الأنظار، بل ينمو كما أصغر البذور التي غُرِسَت في الأرض. ومنطق الصغر هذا هو قوّة الكنيسة الحقيقية، لا الموارد والبنى، كما لا تأتي ثمار رسالتها من الأعداد أو القوّة الإقتصادية أو الأهمّية الإجتماعية. فالكنيسة تعيش بنور الحَمَل، ملتفّةً حوله، وتُدفَع على دروب الحياة بقوّة الروح القدس، وهي مدعوّة دائماً إلى الثقة في وعد الرب: لا تَخَفْ أيُّها القطيع الصغير، فقد حَسُنَ لدى أبيكم أن يُنعِمَ عليكم بالملكوت".
ولفت قداسته إلى أنّ "الكنيسة التي تعيش في تركيا هي جماعة صغيرة، لكنّها تظلّ خصبة مثل بذرة وخميرة الملكوت. إنّ هناك علامات رجاء علينا أن نُعبِّر عنها بإبداع، محافظين على الإيمان والشهادة، ومن بين أجمل العلامات الواعدة، الشباب الكُثر الذين يطرقون أبواب الكنيسة الكاثوليكية حاملين تساؤلاتهم وقلقهم"، داعياً إلى "الإصغاء إلى الشباب ومرافقتهم والإهتمام بالمجالات التي تُدعى الكنيسة في تركيا إلى العمل فيها بشكل خاصّ، مثل الحوار المسكوني، والحوار بين الأديان، ونقل الإيمان إلى السكّان المحلّيين، والخدمة الرعوية للمهاجرين واللاجئين، وتعزيز الإنثقاف، فإعلان الإنجيل يمرّ عبر الإنثقاف".
وتطرّق قداسته إلى أنّه "قد عُقِدَت في هذه الأرض المجامع المسكونية الثمانية الأولى، واليوم نحتفل بذكرى مرور ١٧٠٠ سنة على انعقاد مجمع نيقية المسكوني الأول، وهو حدث آني دائماً، ويفرض تحدّيات ثلاث، أوّلها أهمّية لمس جوهر الإيمان وكوننا مسيحيين، فالكنيسة عثرت مجدَّداً على الوحدة في نيقية حول قانون الإيمان. لا نتحدّث عن صيغة عقائدية، بل عن الدعوة إلى البحث دائماً، وإن كان وسط حساسيات وروحانيات وثقافات مختلفة، عن الوحدة وجوهر الإيمان المسيحي، وذلك حول مركزية المسيح وتقاليد الكنيسة. إنّ مجمع نيقية يدعونا اليوم إلى التأمّل حول مَن هو يسوع بالنسبة لنا، وماذا يعني في الجوهر أن نكون مسيحيين. هكذا يصبح قانون الإيمان الذي نعترف به بشكل موحَّد ومشترَك معيار التمييز والبوصلة الموجِّهة والمحور الذي يجب أن يدور حوله إيماننا وأفعالنا".
ونوّه قداسته بالتحدّي الثاني، "وهو المتمثّل في الحاجة الملحّة إلى أن نكتشف مجدَّداً في المسيح وجه الله الآب. فمجمع نيقية يؤكّد ألوهيّة يسوع ومساواته للآب، وفي يسوع نجد وجه الله الحقيقي وكلمته النهائية للبشرية والتاريخ، وهذه الحقيقة تضع في مشكلة دائماً تصوُّرَنا لله حين لا يتطابق هذا التصوُّر مع ما كشف لنا يسوع. وتدعونا هذه الحقيقة إلى تمييز نقدي متواصل حول أشكال إيماننا وصلاتنا، والحياة الرعوية، وروحانيتنا بشكل عام".
وتحدث قداسته عن تحدٍّ آخر، أي ما وصفه "بعودة للآريوسية في ثقافة اليوم، وحتّى بين المؤمنين في بعض الأحيان، وذلك حين يُنظَر إلى يسوع بإعجاب بشري، وربّما أيضاً بروح دينية، ولكن بدون اعتباره بالفعل الإله الحيّ الحقّ الحاضر بيننا. فكَونُ يسوع إلهاً، ربّ التاريخ، يتمّ التعتيم عليه بشكلٍ ما، ويُكتفى باعتباره شخصية تاريخية عظيمة، معلّماً حكيماً، نبياً كافح من أجل العدل، وليس أكثر من هذا. إنّ مجمع نيقية يُذكِّرنا بأنّ يسوع المسيح ليس شخصية من الماضي، بل هو ابن الله الحاضر بيننا، والذي يقود التاريخ نحو المستقبل الذي وعدَنا الله به".
وخَلُصَ قداسته إلى أنّ "التحدّي الأخير هو وساطة الإيمان وتطوُّر العقيدة. ففي سياق ثقافي مركَّب، نجح قانون إيمان نيقية في أن يكون وسيطاً لتحديد جوهر الإيمان بين الفئات الثقافية والفلسفية في تلك الحقبة. وقد تمّ بعد ذلك بعقود قليلة، وفي مجمع القسطنطينية الأول، التأمُّل والتوسُّع في قانون الإيمان النيقاوي، وصولاً، وبفضل التعمُّق في العقيدة، إلى صيغة جديدة، أي قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني الذي نكرّره خلال احتفالات الأحد. وهناك درس كبير آخر نتعلّمه، ألا وهو ضرورة التعبير عن الإيمان بلغات وفئات الوسط الذي نعيش فيه، مثلما فعل الآباء في نيقية والمجامع الأخرى. كما يقتضي التفريق بين جوهر الإيمان والصيغ والأشكال التاريخية التي تُعبِّر عنه، والتي يمكنها أن تكون جزئية أو مؤقَّتة، وأن تتغيّر تدريجياً مع التعمُّق في العقيدة".
وختم قداسته كلمته مذكِّراً "بالشخصية العزيزة عليكم كثيراً، القديس البابا يوحنّا الثالث والعشرين، الذي أحبّ هذا الشعب وخدمه، مؤكِّداً: "أحبُّ أن أكرّر ما أشعر به في قلبي: أنا أحبّ هذا البلد وسكّانه". وكان يشاهد من نافذة بيت الآباء اليسوعيين الصيّادين في مضيق البوسفور، وهم منشغلون حول القوارب والشباك، فكتب: "هذا المشهد يؤثّر فيَّ. الليلة الماضية نحو الساعة الواحدة كان المطر يهطل بغزارة، لكنّ الصيّادين كانوا هناك، شجعاناً، في عملهم الشاقّ. أن نقتدي بصيّادي مضيق البوسفور، ونعمل ليلاً ونهاراً ومشاعلنا مضاءة، كلّ واحدٍ على قاربه الصغير، وفق أوامر الرؤساء الروحيين: هذا هو واجبنا الهامّ والمقدس". أتمنّى لكم أن يدفعكم هذا الحبّ والشغف، وتحافظوا على فرح الإيمان، وتعملوا مثل صيّادين شجعان في سفينة الربّ يسوع. لتشفع لكم مريم الكاملة القداسة، والدة الله، وتحفظكم".
وتخلّلت اللقاء قراءات من الكتاب المقدس، وترانيم روحية تعاقبت على إنشادها جوقات من مختلف الكنائس، ومن بينها جوقة كنيسة مار أسيا الحكيم في سوردتاليا - السويد لكنيستنا السريانية الكاثوليكية، والتي أنشدت ترانيم بالسريانية مستوحاة من طقوس أحدَي تقديس البيعة وتجديدها، وعيد الميلاد المجيد.
بعدئذٍ دعا قداسة البابا إلى تلاوة قانون الإيمان، ثمّ الصلاة الربّانية، ومنح الجميع بركته الرسولية.
وقام غبطة أبينا البطريرك، يرافقه الوفد الممثِّل لكنيستنا السريانية الكاثوليكية قي تركيا، والذي يتقدّمه الخوراسقف أورهان شانلي، بتقديم هدية رمزية إلى قداسة البابا بمناسبة زيارته، هي عبارة عن صورة تُجسِّد آباء مجمع نيقية، مطرَّزة على قطعة من الحرير.
وقبل مغاردته الكاتدرائية، أزاح قداسته الستار عن لوحة تذكاريّة تخلّد ذكرى هذا اللقاء، ليخرج بعدها وسط تصفيق الحضور وزغاريد النساء.
|