الصفحة الرئيسية البطريركية الأبرشيات الاكليريكيات الرهبانيات الأديرة ليتورجيا
 
التراث السرياني
المجلة البطريركية
المطبوعات الكنسية
إتصل بنا
النص الكامل لموعظة غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان في قداس إعلان المطران الشهيد مار فلابيانوس ميخائيل ملكي طوباوياً

 
 

    يطيب لنا أن ننشر فيما يلي النص الكامل للموعظة البليغة التي ألقاها غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي الكلّي الطوبى، خلال قداس إعلان المطران الشهيد مار فلابيانوس ميخائيل ملكي طوباوياً، وذلك مساء يوم السبت 29 آب 2015، في دير سيّدة النجاة البطريركي ـ الشرفة، درعون ـ حريصا، لبنان:

 

    كلمات ترحيب وشكر للكردينال أنجلو أماتو، رئيس مجمع القديسين والموفد البابوي

    البطاركة الشرقيين والسفيرين البابويين والممثلين عن البطاركة الغائبين... وعن الكردينال ساندري

    الخوارنة، الآباء الكهنة الراهبات والرهبان والشمامسة،

    سعادة النائب الدكتور باسم الشابّ ممثّل رئيسي مجلس النواب نبيه بري ومجلس الوزراء تمام سلام

    ممثّلة السفير الإيطالي

    الممثّلين الرسميين..

   

    أيها الأحباء...

    "أبذل دمي عن خرافي"، هذا ما كان يردّده الطوباوي مار فلابيانوس ميخائيل ملكي الذي نحتفل بإعلان تطويبه، المطران الشهيد لأبرشية جزيرة ابن عمر، للذين كانوا يحثّونه على الهرب أمام بطش الظالمين.

    اليوم تحتفل الكنيسة بقطع رأس يوحنا المعمدان السابق، أي معدّ طريق الرب، والذي وصفه يسوع مخلّصنا بـ "أعظم مواليد النساء". كما نجتمع لإعلان المطران الشهيد مار فلابيانوس ميخائيل ملكي طوباوياً في الذكرى ذاتها ليوم استشهاده، ورمي جثمانه الطاهر في نهر دجلة، لمئة سنة خلت.

    أقدّم باسمكم جزيل الشكر وأسمى التقدير لقداسة البابا فرنسيس خليفة بطرس وأبي الأحبار، لرسالته الحبرية التي سمعناها بفم ممثّله نيافة الكردينال أنجلو أماتو، معلناً المطران الشهيد مار فلابيانوس ميخائيل ملكي، مطران جزيرة ابن عمر طوباوياً يشفع فينا وبجميع المسيحيين في شرقنا الاوسط. وها أنتم قد قدمتم من بلدان عديدة: من سوريا والعراق والأراضي المقدسة ومصر وتركيا ومن كنيسة الإنتشار، للمشاركة في هذا الإحتفال التاريخي، لأنه الأول من نوعه في عصرنا الحديث.

    يضحي شهيدنا المطران فلابيانوس ميخائيل مثالاً لنا جميعاً، سيّما للذين لبّوا دعوة الخدمة الكهنوتية، في العطاء المتجرّد والتواضع الوديع، وبروح الطاعة لأمّنا الكنيسة.

    استمعنا في القراءة الأولى لمقتطفات من كلمات بنوية كتبها الطوباوي إلى بطريركه مار اغناطيوس أفرام الثاني رحماني، أبيه الروحي ورئيسه. وفيها نستشفّ كم تألّم هذا الطوباوي من أجل رعيته، وقد سعى طوال حياته لمرضاته تعالى، والعمل حسب إرادته، والإستجابة لمتطلّبات دعوته الكهنوتية، فالأسقفية، وذلك بهمّة الرسول التي لا تكلّ، وبالتجرّد والعطاء اللا محدود، والتواضع والوداعة، وذلك بروح الطاعة للكنيسة الأمّ والمعلّمة.

    وفي القراءة الثانية لمار بولس رسول الأمم، نتأمّل بهذه العبارة المعبّرة أفضل تعبير عن دعوتنا نحن مسيحيي المشرق ماضياً وحاضراً، والمردِّدة لما جاء في المزمور 44 إذ تقول: "إننا من أجلك نماتُ كل اليوم، وقد حُسبنا كغنم للذبح...".

    ويسوع فادينا، وهو الذي اختبر الآلام حتى موت الصليب، يذكّرنا في مقطع إنجيل يوحنا الذي سمعناه: "إنّ حبّة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمت، تبقَ وحدها، وإن هي ماتت أتت بثمرٍ كثير...". هذا هو سرّ الألم في مفهومنا المسيحي، لا نستطيع أن نكنه معناه الخلاصي، إلا من خلال إيماننا الثابت بسرّ فدائنا الذي تمّمه مَن قبلَ الموت طوعاً، موت الصليب.

    تطويب الشهيد فلابيانوس ميخائيل هو تكريم لذكرى شهدائنا السريان الأبرار بجناحيهم الكاثوليكي والأرثوذكسي، الذين سفكوا دماءهم حبّاً بفاديهم الرب يسوع، وبمئات الآلاف الذين تحمّلوا جميع أنواع الإضطهادات دفاعاً عن إيمانهم عبر العصور، قديماً وإلى يومنا هذا. تطويبه هو اعتزازٌ بجميع الشهداء والمعترفين، من أساقفة وكهنة وشمامسة ومؤمنين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، فاح عطرهم في كنائسنا، وكُتبت أسماؤهم في سفر الملكوت، فأضحوا شفعاء لنا أمام عرش الآب السماوي، وعزاءً وقوّةً لجميع المضطهَدين من أجل البرّ.

    نحتفل بتطويب شهيدنا في هذه الذكرى المئوية للإبادة "سيفو ـ السوقيات" التي أوقعت بشعبنا السرياني وبإخوتنا من جميع الكنائس المسيحية مجازر تقشعرّ لهولها الأبدان، والتي كادت تقضي عى وجودهم بالكامل، في أرجاء ما سُمّي بالدولة العثمانية آنذاك، وتشتّت الذين نجوا من تلك الإبادة لاجئين  إلى بلاد الجوار (كسوريا والعراق ولبنان...) كما عبر البحار والمحيطات. 

    مع شهيدنا الطوباوي اليوم نرفع عيوننا مع صاحب المزمور إلى ساكن السموات.. لكي يتحنّن علينا وعلى شعبه المضطهَد والمنهَك والذي يرنو إلى الرب كي يسعفه ببارقة أملٍ، عسى درب صليبنا قد بلغ نهايته... في شرقنا المضطرب والمملوء منذ أعوام شرّاً وظلماً. لا نستطيع أن نتناسى ما أصاب أبرشياتنا ورعايانا وكنائسنا وأديرتنا في سوريا والعراق، حيث تتوالى النكبات بشكل مخيف.

    فهل ننسى تلك الفاجعة التي حلّت بكاتدرائيتنا "سيّدة النجاة" في بغداد قبل خمس سنوات، وراح ضحيتها 48 شهيداً وشهيدةً من محتلف الأعمار، وبينهم الكاهنان الشابان ثائر ووسيم؟، ونحن سنفتتح بعونه تعالى ملفّ دعوى تطويبهما في تشرين الأول القادم. وهل نستطيع تناسي ما حلّ بأبرشيتنا المقتلَعة بكاملها، أعني بها أبرشية الموصل وسهل نينوى وتوابعها. هُجّر مطارنتها وكهنتها وراهباتها ورهبانها، مع عشرات الألوف من المؤمنين. اقتلعوهم قبل عام، من منازلهم وممتلكاتهم في أرض آبائهم وأجدادهم وأهلهم، وهم المعروفون بحبّهم للوطن وأمانتهم في خدمته ورفع شأنه ونشر حضارته. فأضحوا في ليلةٍ وضحاها نازحين في وطنهم ظلماً!

    وفي يومنا هذا، كيف نستطيع أن نصف الإجرام الغاشم لعصابات الشرّ التي قتلت وخطفت وأسرت وشرّدت مئات العائلات في القرى السورية وبلداتها، وكان آخر هذه الجرائم خطف أحد كهنتنا الأفاضل، الأب جاك مراد، وتهديم دير مار اليان الأثري في القريتين بحمص، والذي كان فيه يخدم كلَّ من يقصده دون النظر إلى دينه أو مذهبه، ويأوي جميع القاصدين إليه من مسلمين ومسيحيين. أهذا هو جزاء من يحنو على الجميع وينشر ثقافة المحبّة والمدنية المسالمة التي تبني الإنسان؟ غير ناسين خطف من سبقه من إكليروس وعلمانيين، ونذكر خاصةً المطرانين يوحنا ابراهيم وبولس اليازجي والكهنة المخطوفين.

    وكنّا قد شهدنا قبل ذلك ما حدث لأبناء شعبنا في قرى الخابور في الجزيرة السورية، فضلاً عن استشهاد الأب فرانسوا مراد في قرية الغسّانية منذ نيّفٍ وسنتين في حزيران عام 2013.

    فما أشبه أيامنا المظلمة هذه بتلك التي عاشها شهيدنا الطوباوي قبل مئة عام.

    ألا يحق لنا أن نتساءل ونسأل: لماذا هذا الظلم؟ لماذا هذه الوحشية؟ شعبنا آنذاك لم يحمل سلاحاً وما اعتدى على الآخرين، وما جال في خاطر المسيحيين أن ينقلبوا على أمبراطورية غزت وتوسّعت شرقاً وغرباً، بالهمجية التي عُرفت بها،  أو أن يشكّلوا ما يسمّى بـ "طوابير خامسة" ليتآمروا على وطنهم كما ادّعى الظالمون... تهمتهم الوحيدة، وخطيئتهم المعهودة أنهم من "الكفّار" في نظر الأغلبية التي لا يشاطرونها العقيدة الدينية، من عثمانيين متزمّتين ومن عشائر متخلّفة غلب عليها التعصّب الأعمى وأطبق من حولها الجهل. اضطُهد أجدادنا وجدّاتنا من أجل إيمانهم المسيحي لا غير. ولأنهم ظلّوا أمناء للرب معلّمهم الإلهي الذي قال: "أحبوا أعداءكم وأحسنوا لمن يبغضكم...". ولأنّهم عشقوه فادياً تحمّل العذابات وضحّى بذاته حبّاً بالإنسان، ليرفع الإنسان نحو الله خالقه ينبوع المحبّة والحنان والعدل! 

    ظنّ الذين تهافتوا على قتل أهلنا الأبرياء وتهجيرهم والعالم المتمدّن غافل، أنّها النهاية لشعبنا، وأنّ جرائمهم ستُطمَر في غياهيب التاريخ! خاب أملك يا موت! لقد تناسوا أنّنا أولاد القيامة والحياة. بالإيمان والقيم بنينا الأوطان، فشيّدنا قبب الكنائس، وشرّعنا أبواب الأديرة والمدارس. وكنّا نجهد بالصبر والتضحية تائقين إلى الإرتقاء بالإنسان السليم والمسالم... ولكنّ التعصّب المقيت والجهل الدفين شوّها الدين والأخلاق لدى الذين استقووا على الضعفاء الأبرياء، لقد غدت دماء شهدائنا بذار الإيمان الذي به نحيا، (ترتيليانوس). ولأنّنا من أجل إله المحبّة والسلام والغفران رضينا أن: "نُمات كلّ النهار، وقد حُسبنا مثل غنمٍٍ للذبح" (بولس رسول الأمم).

    إنّ التاريخ خير شاهدٍ على المجازر المتكرّرة التي ارتكبها حكّامٌ ظالمون بحق المسيحيين على اختلاف كنائسهم في شرقنا هذا الذي ما عرف السلام. يكفي أن ننظر إلى الهند وبخاصة ولاية كيرالا، حيث انطلق المرسَلون من كنائسنا السريانية يحملون بشرى الإنجيل لتلك الشعوب، فنمى الزرع وأينعت وما زالت تثمرُ روحانية وثقافةً وعدداً، خلافاً لما حصل في ربوعنا الشرق الأوسطية حيث أُجبرنا على الإنكفاء على الذات، ومُنعنا عن المناداة بإنجيل السلام والكرازة بالخلاص للجميع، وتعرّضنا للتكفير الإرهابي، فسفك شهداؤنا الميامين دماءهم ذبائح محرقة ذوداً على إيمانهم وتراثهم والقيم التي حملها لهم إنجيل المحبّة والسلام.

    نقولها وقلوبنا مدماة، فكما حصل بُعيد نكبة السيفو، سنواتٌ معدودةٌ تمرّ، ثم ندركُ هول ما جرى لنا من تشريدٍ لأبنائنا وبناتنا في أقطار المسكونة الأربعة! إنّها خسارةٌ وللأسف الشديد لن تُعوَّض، لأنّنا عارفون بنتائج الهجرة إلى ما وراء البحار!

    وهنا لا بدّ من أن نحيّي لبنان، أرض القداسة وموئل الحضارات ورائد الحرّيات، هذا البلد الغالي الذي فتح قلبه وذراعيه وأضحى موئلاً لملايين من اللاجئين، بالرغم من صغر مساحته وضآلة موارده وحساسية تكوينه الطائفي. ألا حافظنا على ميثاقه الذي يجمع وعلى دستوره الذي لا يميّز، وعلى تعدّديته التي يُحسَد عليها في بلاد شرقنا.

    وكم نأسف بشدّةٍ مع جميع المخلصين، وعلى رأسهم غبطة أخينا البطريرك سيد بكركي الحاضر بيننا، مع الإخوة البطاركة، لتهاوُن بعض المسؤولين بمقدّرات لبنان، واستخفاف ذوي الشأن بدستوره وقوانينه، عندما يختلقون الأعذار كي يتملّصوا من واجباتهم ويتناسوا حقوق المواطنين، متمترسين وراء مصلحة طوائفهم. هلّا اتّعظوا من المآسي التي تحيط بهم، فيتّفقوا على مشروعية انتخاب رئيسٍ للبلاد، يكون علامةً للتوافق البنّاء، ورمزاً للوحدة الوطنية، وتطميناً للمسيحيين هنا وفي جميع بلدان المشرق العربي!

    الكلّ يعلم بأنّ شهادتنا، نحن السريان، جسّدت إنجيل المحبّة والسلام، وتعمّدت بالدم متكلَّلةً بغار الإستشهاد عبرَ تاريخ شرقنا المعذَّب ماضياً وحاضراً. نعم ليس لنا الأعداد بجيوشٍ جرّارة، ولا آبار نفط تغري وتشتري القيم، وما كنّا عصابات إرهابية تخيف مدناً وبلداناً، وما تعدّينا على غيرنا، ولا طمعنا بسلطةٍ وحكمٍ. إنما نقلنا الحرف للعالم وأنرنا المنطقة بالعلم والمعرفة، ونثرنا مواهبنا شعراً وفكراً وترجمة. يكفي أن نسأل عن أسماء القرى والمدن والبقاع من البحر المتوسّط وإلى الشرق الأبعد.. ما اغتصبنا أرضاً، بل دُمّرت بيوتنا وكنائسنا وأديرتنا، ولا شرّدنا شعباً، بل هُجّرنا وتشرّدنا. ألا يحق التساؤل إذن: أين الضمير العالمي؟ أين أصحاب النيات الصالحة؟ أين دعاة الحفاظ على حقوق الإنسان والمتبجّحون بالدفاع عن قضايا الشعوب المستضعَفة؟ ألم يحن الوقت بعد ما نقرأ ونسمع ونشاهد من الفظائع التي تُرتَكب باسم الدين، أن نقف معاً لنرفض تسييسه، ونمدّن خطابه، ولا نميّز بين مذهبٍ وعرقٍ ولون، نفوساً ونصوصاً؟

    إليكم نتوجّه يا أحبّاءنا في بلاد الشرق وعالم الإنتشار، أنتم أولاد الشهداء والشهيدات وأحفادهم، حافظوا على مَعين الرجاء تستقونه من إيمانكم. وتمسّكوا بكنيستكم الأمّ ولغتها السريانية العظيمة، لا تنسوا جذوركم في أرض شرقنا ذي الحضارة العريقة. عهدُنا لكم أنّنا معكم سنحافظ على الأمانة لإنجيل مخلّصنا،  وعلى رسالة المحبّة والسلام التي أؤتمنّا وإيّاكم عليها.

    والله نسأل أن يؤهّلنا لنكون شهوداً لمحبّته، ومبشّرين بسلامه على الدوام، بشفاعة أمّنا السماوية العذراء مريم، وبصلوات الطوباوي مار فلابيانوس ميخائيل، وجميع القديسين والقديسات والشهداء والشهيدات. آمين.

 

 

 

 

إضغط للطباعة